المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤
الصيارفة و هكذا تتداعى الأشغال و الأعمال بعضها إلى بعض حتّى تنتهي إلى ما تراه فهذه أشغال الخلق و هي معايشهم و شيء من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلّا بنوع تعلّم و تعب في الابتداء، و في الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه عنه مانع فيبقى عاجزا عن الاكتساب لعجزه عن الحرف فيحتاج إلى أن يأكل ممّا سعى فيه غيره، فتحدث منه حرفتان خسيستان اللّصوصيّة و الكدية [١] إذ يجمعهما أنّهما يأكلان من سعي غيرهما، ثمّ إنّ الناس يحترزون عن اللّصوص و المتكدّين و يحفظون منهم أموالهم فافتقروا إلى صرف عقولهم إلى استنباط الحيل و التدبيرات، أما اللّصوص فمنهم من يطلب أعوانا و يكون في بدنه شوكة و قوّة فيجتمعون و يكاثرون و يقطعون الطرق كالأعراب و الأكراد و أمّا الضعفاء منهم فيفزعون إلى الحيل إمّا بالنقب أو التسلّق عند انتهاز فرصة الغفلة [٢] و إمّا بأن يكون طرّارا أو سلاّلا[١]إلى غير ذلك من أنواع التلصّص الحادثة بحسب ما انتجته الأفكار المصروفة إلى استنباطها، فأمّا المتكدّي فإنّه إذا طلب ما سعى فيه غيره قيل له: أتعب و اعمل كما عمل غيرك فما لك و البطالة فلا يعطى شيئا فافتقروا إلى حيلة في استخراج الأموال و تمهيد العذر لأنفسهم في البطالة فاحتالوا للتعلّل بالعجز إمّا بالحقيقة كجماعة يعمون أولادهم و أنفسهم بالحيلة ليعذروا بالعمى فيعطون، و إمّا بالتعامي و التّفالج و التجانن و التمارض و إظهار ذلك بأنواع من الحيل مع بيان أنّ تلك محنة أصابت من غير استحقاق ليكون ذلك سبب الرّحمة، و جماعة يلتمسون أفعالا و أقر الاّ يتعجّب النّاس منها حتّى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها حتّى يسخو برفع
[١] قال الفيومى: طررته طرا من باب قتل شققته و منه الطرار و هو الذي يقطع النفقات و يأخذها على غفلة من أهلها، و سل السيف من باب قتل و سللت الشيء: أخذته، و السلة- بالفتح- السرقة و هي اسم من سللته سلا من باب قتل إذا سرقته.
[١] الكدية- بالضم-: شدة الدهر، و الأرض الغليظة، و الصفاة العظيمة الشديدة و الشيء الصلب بين الحجارة و الطين، و ما جمع من طعام او شراب فجعل كثبة و أيضا الاستعطاء و حرفة السائل الملحّ. و المراد معنى الأخير.
[٢] تسلق الجدار صعد عليه، و انتهز الفرصة: اغتنمها.
المحجة