المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٥
العشرة و يردّ إلى كلّ واحد عشرة و إن كان مال كلّ واحد قد اختلط بمال الآخر.
الثاني في قوله: إنّك من مصالح المسلمين و بك قوام الدّين و لعلّ الّذين فسد دينهم و استحلّوا أموال السّلاطين و رغبوا في طلب الدّنيا و الإقبال على الرّئاسة و الإعراض عن الآخرة بسببه أكثر من الّذين زهدوا في الدّنيا و رفضوها و أقبلوا على اللَّه، فهو على التحقيق دجّال الدّين و قوام مذهب الشياطين لا إمام الدّين إذ الإمام هو الّذي يقتدى به في الإعراض عن الدّنيا و الإقبال على اللَّه كالأنبياء و متابعيهم، و الدّجّال هو الّذي يقتدى به في الإعراض عن اللَّه و الإقبال على الدّنيا و لعلّ موت مثل هؤلاء أنفع للمسلمين من حياته و هو يزعم أنّه قوام الدّين و مثله كما قال عيسى عليه السّلام للعالم السّوء: «إنّه كصخرة وقعت على فم الوادي فلا هي تشرب الماء و لا هي تترك الماء يخلص إلى الزّرع».
و أصناف غرور أهل العلم في هذه الأعصار المتأخّرة خارجة عن الحصر، و فيما ذكرناه تنبيه بالقليل على الكثير.
و فرقة أخرى أحكموا العلوم و طهّروا الجوارح
و زيّنوها بالطاعات و اجتنبوا ظاهر المعاصي و تفقّدوا أخلاق النفس و صفات القلب من الرّياء و الحسد و الكبر و الحقد و طلب العلوّ و جاهدوا أنفسهم في التبرّي منها و قلعوا من القلوب منابتها الجليّة القويّة و لكنّهم بعد مغرورون إذ بقيت في زوايا القلب من خفايا مكايد الشيطان و خبايا خدائع النّفس ما دقّ و غمض مدركه فلم يفطّنوا لها و أهملوها و إنّما مثاله من يريد تنقية الزّرع من الحشيش فدار عليه و فتّش عن كلّ حشيش رآه فقلعه إلّا أنّه لم يفتّش عمّا لم يخرج رأسه بعد من تحت الأرض و ظنّ أنّ الكلّ قد ظهر و برز، و كان قد نبت من أصول الحشيش شعب لطاف فانبسطت تحت التراب فأهملها و هو يظنّ أنّه قد اقتلعها فإذا هو بها في غفلته و قد نبتت و قويت و أفسدت أصول الزّرع من حيث لا يدري، فكذلك العالم قد يفعل جميع ذلك و يذهل عن المراقبة للخفايا و التفقّد للدّقائق فتراه يسهر ليله و نهاره في جمع العلوم و ترتيبها و تحسين ألفاظها و جمع التصانيف فيها و هو يرى أنّ باعثه الحرص على إظهار دين اللَّه و نشر شريعته
المحجة