المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٤
عليه فقال تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ. وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [١] و عرّف خسّته أوّلا فقال: أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى. ثُمَّ كانَ عَلَقَةً- ثمّ ذكر منته عليه فقال:- فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى [٢] ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده ابتداء بالاختراع، فمن كان هذا بدؤه و هذه أحواله فمن أين له البطر و الكبرياء و الفخر و الخيلاء و هو على التحقيق أخسّ الأخسّاء، و أضعف الضعفاء نعم لو أكمله و فوّض إليه أمره و أدام له الوجود باختياره لجاز أن يطغى و ينسى المبدء و المنتهى و لكنّه سلّط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة و الأسقام العظيمة و الآفات المختلفة و الطبايع المتضادة من المرّة و البلغم و الرّيح و الدّم يهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى، رضي أم سخط، فيجوع كرها و يعطش كرها، و يمرض كرها و يموت كرها، لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرّا و لا خيرا و لا شرّا، يريد أن يعلم الشيء فيجهله، و يريد أن يذكر الشيء فينساه، و يريد أن ينسى الشيء و يغفل عنه فلا يغفل عنه، و يريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمّه فيجول في أودية الوساوس و الأفكار بالاضطرار فلا يملك قلبه قلبه و لا نفسه نفسه، و يشتهي الشيء و ربّما يكون هلاكه فيه و يكره الشيء و ربّما تكون حياته فيه، يستلذّ الأطعمة فتهلكه و ترديه، و يستبشع الأدوية و هي تنفعه و تحييه، لا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره أن يسلب سمعه و بصره و علمه و قدرته، و تفلج أعضاؤه، و يختلس عقله، و يختطف روحه، و يسلب جميع ما يهواه في دنياه، فهو مضطرّ ذليل، إن ترك ما بقي، و إن اختطف فنى، عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه و لا من غيره، فأيّ شيء أذلّ منه لو عرف نفسه و أنّى يليق الكبر به لو لا جهله؟ فهذا أوسط أحواله فليتأمّله، و أمّا آخره و مورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ و معناه أنّه يسلب روحه و سمعه و بصره و علمه و قدرته و حسّه و إدراكه و حركته فيعود جمادا كما كان أوّل مرّة لا يبقى إلّا شكل أعضائه و صورته لا حسّ فيه و لا حركة، ثمّ يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأوّل نطفة
[١] البلد: ٩ إلى ١١.
[٢] القيامة: ٣٨ إلى ٤٠.
المحجة