المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٦
الخوف و الإشفاق لا محالة، و لو كان كلّ ذي ذنب يقبل منه الشفاعة لما أمر قريشا بالطاعة و لما نهاهم عن المعصية فالانهماك في الذّنوب و ترك التقوى اعتمادا على الشفاعة يضاهي انهماك المريض في شهواته اعتمادا على طبيب حاذق قريب مشفق من أب أو أخ أو غيره و ذلك جهل فإنّ سعي الطبيب و همّته و جدّه تنفع في إزالة بعض الأمراض لا في كلّها فلا يجوز ترك الحمية مطلقا اعتمادا على مجرّد الطبّ بل للطبّ أثر على الجملة و لكن في الأمراض الخفيفة و عند غلبة اعتدال المزاج فهكذا ينبغي أن تفهم عناية الشفعاء من الأنبياء و الصلحاء للأقارب و الأجانب فإنّه كذلك قطعا و ذلك لا يزيل الخوف و الحذر.
الخامس العجب بنسب السلاطين الظلمة
و أعوانهم دون نسب الدين و العلم، و هذا غاية الجهل و علاجه أن يتفكّر في مخازيهم و ما جرى لهم من الظلم على عباد اللَّه و الفساد في دين اللَّه و أنّهم ممقوتون عند اللَّه، و لو نظر إلى صورهم في النّار و أنتانهم و أقذارهم لاستنكف منهم و لتبرّأ من الانتساب إليهم و لأنكر على من نسبه إليهم استقذارا لهم و استحقارا و لو انكشف له ذلّهم يوم القيامة و قد تعلّق الخصماء بهم و الملائكة آخذون بنواصيهم يجرّونهم على وجوههم إلى جهنّم في مظالم العباد لتبرّأ إلى اللَّه منهم و لكان انتسابه إلى الكلب و الخنزير أحسن إليه من الانتساب إليهم فحقّ أولاد الظلمة إن عصمهم اللَّه من ظلمهم أن يشكروا اللَّه على سلامة دينهم و يستغفروا لآبائهم إن كانوا مسلمين، فأمّا العجب بنسبهم فجهل محض.
السادس العجب بكثرة العدد من الأولاد و الخدم
و الغلمان و العشيرة و الأقارب و الأنصار و الأتباع كما قال الكافرون: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً [١] كما قال المؤمنون يوم حنين «لا نغلب اليوم من قلّة» [٢] و علاجه ما ذكرناه في الكبر و هو أن يتفكّر في ضعفه و ضعفهم و أنّ كلّهم عبيد عجزة، لا يملكون لأنفسهم ضرّا و لا نفعا «و كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» ثمّ كيف يعجب بهم و أنّهم سيفترقون عنه إذا مات فيدفن في قبره ذليلا مهينا وحده لا يرافقه ولد و لا أهل و لا قريب و لا حميم
[١] السبأ: ٣٥.
[٢] تقدم آنفا.
المحجة