المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٣
ذكرناه و إن لم يكن لايقا بأحكام الجاه و الرّياء و لكن أوردناه لاستيفاء أقسام الكمال.
و أمّا القدرة فليس فيها كمال حقيقيّ للعبد بل للعبد علم حقيقيّ و ليس له قدرة حقيقيّة و إنّما القدرة الحقيقيّة للَّه تعالى و ما يحدث من الأشياء عقيب إرادة العبد و قدرته و حركته فهي حادثة بإحداث اللّه كما قد قرّرناه في كتاب الصبر و الشكر و كتاب التوكّل و في مواضع شتّى من ربع المنجيات فكمال العلم يبقى معه بعد الموت و يوصله إلى اللّه تعالى فأمّا كمال القدرة فلا، نعم له كمال من جهة القدرة بالإضافة إلى الحال و هي وسيلة له إلى كمال العلم كسلامة أطرافه و قوّة يده للبطش و رجله للمشي و حواسّه للإدراك فإنّ هذه القوى آلة للوصول بها إلى حقيقة كمال العلم و قد يحتاج في استيفاء هذه القوى إلى القدرة بالمال و الجاه للتوصّل به إلى المطعم و الملبس و المسكن و ذلك إلى قدر معلوم فإن لم يستعمله للوصول به إلى معرفة اللّه فلا خير فيه البتّة إلّا من حيث اللّذّة الحاليّة الّتي تنقضي على القرب و من ظنّ ذلك كمالا فقد جهل، فالخلق كلّهم هالكون في غمرة هذا الجهل فإنّهم يظنّون أنّ القدرة على الأجساد بقهر الحشمة، و على أعيان الأموال بسعة الغنى، و على تعظيم القلوب بسعة الجاه كمال، فلمّا اعتقدوا ذلك أحبّوه و لمّا أحبّوه طلبوه و لمّا طلبوه شغلوا به و تهالكوا عليه فنسوا الكمال الحقيقيّ الّذي يوجب القرب من اللّه و من ملائكته و هو العلم و الحرّيّة، أمّا العلم فما ذكرناه من معرفة اللّه و أمّا الحرّيّة فالخلاص من أسر الشهوات و غموم الدّنيا و الاستيلاء عليها بالقهر تشبّها بالملائكة الّذين لا يستفزّهم الشهوة و لا يستهويهم الغضب، فإذا دفع آثار الغضب و الشهوة عن النفس من الكمال الّذي هو من صفات الملائكة، و من صفات الكمال للَّه تعالى استحالة التغيّر و التأثّر عليه فمن كان عن التغيّر و التأثّر بالعوارض أبعد كان إلى اللّه تعالى أقرب و بالملائكة أشبه و منزلته عند اللّه أعظم، و هذا كمال ثالث سوى كمال العلم و القدرة، و إنّما لم نورده في أقسام الكمال لأنّ حقيقته ترجع إلى عدم و نقصان فإنّ التغيّر نقصان إذ هو عبارة عن عدم صفة كائنة و هلاكها و الهلاك نقص في اللّذّات و في صفات الكمال. فإذا الكمالات ثلاثة إن عدّدنا عدم التغيّر
المحجة البيضاء، جلد٦، ص: ١٢٤
بالشهوات و عدم الانقياد لها كمالا ككمال العلم و كمال الحرّيّة و أعني به عدم العبوديّة للشهوات و إرادة الأسباب الدّنياويّة و كمال القدرة للعبد طريق إلى اكتساب كمال العلم و كمال الحرّيّة و لا طريق له إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته إذ قدرته على أعيان الأموال و على استسخار القلوب و الأبدان تنقطع بالموت و معرفته و حرّيّته لا تنعدمان بالموت بل تبقيان كمالا فيه و وسيلة إلى القرب من اللّه تعالى.
فانظر كيف انقلب الجاهلون و انكبّوا على وجوههم انكباب العميان فأقبلوا على طلب كمال القدرة بالمال و الجاه و هو الكمال الّذي لا يسلم و إن سلم فلا بقاء له و أعرضوا عن كمال الحرّيّة و العلم الّذي إذا حصل كان أبديّا لا انقطاع له و هؤلاء هم الّذين اشتروا الحياة الدّنيا بالآخرة فلا جرم لا يخفّف عنهم العذاب و لا هم ينصرون، و هم الّذين لم يفهموا قوله تعالى: «الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ» [١] فالعلم و الحريّة هي الباقيات الصالحات الّتي تبقى كمالا في النفس، و المال و الجاه هو الّذي ينقضي على القرب و هو كما مثّله اللّه تعالى حيث قال: «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ- الآية-» [٢] و كلّ ما تذروه الرّياح بالموت فهو زهرة الحياة الدّنيا، و كلّ ما لا يقطعه الموت فهو من الباقيات الصالحات، فقد عرفت بهذا أنّ كمال القدرة بالمال و الجاه كمال ظنّيّ لا أصل له و أنّ من قصّر الوقت على طلبه و ظنّه مقصودا فهو جاهل إلّا قدر البلغة منها إلى الكمال الحقيقيّ.
(بيان ما يحمد من حب الجاه و ما يذم)
و مهما عرفت أنّ معنى الجاه ملك القلوب و القدرة عليها فحكمه حكم ملك الأموال فإنّه عرض من أعراض الحياة الدّنيا و ينقطع بالموت كالمال، و الدّنيا مزرعة الآخرة، فكلّ ما خلق اللّه من الدّنيا فيمكن أن يتزوّد منه إلى الآخرة، و كما أنّه لا بدّ من أدنى مال لضرورة المطعم و الملبس فلا بدّ من أدنى جاه لضرورة
[١] الكهف: ٤٥.
[٢] يونس ٢٥.
المحجة