المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٠
كمال، و الكمال من صفات الرّبوبيّة، و الربوبيّة محبوبة بالطبع، فلذلك أحبّ الأموال و إن كان لا يحتاج إليها في ملبسه و مطعمه و في شهوات نفسه و لذلك طلب استرقاق العبيد و استعباد الأشخاص الأحرار و لو بالقهر و الغلبة حتّى يتصرّف في أجسادهم و أشخاصهم بالاستسخار و إن لم يملك قلوبهم فإنّها ربّما لم تعتقد كماله حتّى يصير محبوبا لها و يقوم القهر منزلته فيها فإنّ الحشمة القهريّة أيضا لذيذة لما فيها من القدرة.
القسم الثالث نفوس الآدميّين و قلوبهم و هي أنفس ما على وجه الأرض فهو يحبّ أن يكون له استيلاء و قدرة عليها لتكون مسخّرة له متصرّفة تحت إشارته و إرادته لما فيها من كمال الاستيلاء و التشبّه بالصفات الرّبوبيّة، و القلوب إنّما تتسخّر بالحبّ و لا تحبّ إلّا باعتقاد الكمال فإنّ كلّ كمال محبوب لأنّ الكمال من صفات الإلهيّة و الصفات الإلهيّة كلّها محبوبة بالطبع للمعنى الرّبّانيّ من جملة معاني الإنسان و هو الّذي لا يبليه الموت فيعدمه و لا يتسلّط عليه التراب فيأكله لأنّه محلّ الإيمان و المعرفة، و هو الواصل إلى لقاء اللّه و الساعي إليه، فإذا معنى الجاه تسخّر القلوب و من تسخّرت القلوب له كانت له قدرة و استيلاء عليها و القدرة و الاستيلاء كمال و هو من أوصاف الرّبوبيّة فإذا محبوب القلب بطبعه الكمال بالعلم و القدرة، و المال و الجاه من أسباب القدرة و لا نهاية للمعلومات و لا نهاية للمقدورات و ما دام يبقى معلوم أو مقدور فالشوق لا يسكن و النقصان لا يزول فلذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «منهومان لا يشعبان» فإذا مطلوب القلب الكمال و الكمال بالعلم و القدرة، و تفاوت الدرجات فيه غير محصور، فسرور كلّ إنسان و لذّته بقدر ما يدركه من الكمال، فهذا هو السبب في كون العلم و المال و الجاه محبوبا، و هو أمر وراء كونه محبوبا لأجل التوصّل به إلى قضاء الشهوات فإنّ هذه العلّة قد تبقى مع سقوط الشهوات، بل يحبّ الإنسان من العلوم ما لا يصلح للتوصّل به إلى الأغراض بل ربّما يفوت عليه جملة من الأغراض و الشهوات و لكنّ الطبع يتقاضى طلب العلم في جميع العجائب و المشكلات لأنّ في العلم استيلاء على المعلوم و هو نوع من الكمال
المحجة