المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٨
على الملاء فلا جرم كلّما كان الجمع أكثر و المثني أجدر بأن يلتفت إلى قوله كان المدح ألذّ و الذّمّ أشدّ على النفس.
السبب الرّابع أنّ المدح يدلّ على حشمة الممدوح
و اضطرار المادح إلى إطلاق اللّسان بالثناء عليه إمّا عن طوع و إمّا عن قهر فإنّ الحشمة أيضا لذيذة لما فيها من القهر و القدرة و هذه اللّذّة تحصل و إن كان المادح لا يعتقد في الباطن ما مدح به و لكن كونه مضطرّا إلى ذكره نوع قهر و استيلاء عليه فلا جرم تكون لذّته بقدر تمنّع المادح و قوّته فيكون لذّة ثناء القويّ الممتنع عن التواضع بالثناء أشدّ، فهذه الأسباب الأربعة قد يجتمع في مدح مادح واحد فيعظم به الالتذاذ، و قد تفترق فتنقص اللّذّة به أمّا العلّة الأولى و هي استشعار الكمال فتندفع بأن يعلم الممدوح أنّه غير صادق في مدحه كما إذا مدح بأنّه نسيب أو سخيّ أو عالم بعلم أو متورّع عن المحظورات و هو يعلم من نفسه ضدّ ذلك فتزول اللّذّة الّتي سببها استشعار الكمال و تبقى لذّة الاستيلاء على قلبه و على لسانه و بقيّة اللّذّات، فإن كان يعلم أنّ المادح ليس يعتقد ما يقوله و يعلم بخلوّه عن هذه الصفة بطلت اللّذّة الثانية و هو استيلاؤه على قلبه و بقيت لذّة الاستيلاء و الحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالثناء فإن لم يكن ذلك عن خوف بل كان بطريق اللّعب بطلت اللّذّات كلّها فلم يكن فيه أصلا لذّة لفوات الأسباب الثلاثة، فهذا ما يكشف الغطاء عن علّة التذاذ النفس بالمدح و تألّمها بسبب الذّم و إنّما ذكرناه ليعرف طريق العلاج لحبّ الجاه و حبّ المحمدة و خوف المذمّة، فإنّ ما لا يعرف سببه لا يمكن معالجته إذ العلاج عبارة عن حلّ أسباب المرض.
(بيان علاج حب الجاه)
اعلم أنّ من غلب على قلبه حبّ الجاه صار مقصور الهمّ على مراعاة الخلق، مشعوفا بالتودّد إليهم و المراياة لأجلهم، و لا يزال في أقواله و أفعاله و أعماله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم و ذلك بذر النفاق و أصل الفساد و يجرّ ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات و المراياة بها، و إلى اقتحام المحظورات للتوصّل إلى اقتناص
المحجة