المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٤
الزّهد؟ فما الّذي تركه مع القدرة عليه لوجه اللَّه تعالى؟ و يدّعي الانس باللَّه، فمتى طابت له الخلوة؟ و متى استوحش من مشاهدة الخلق؟ لا بل يرى قلبه يمتلي بالحلاوة إذا أحدق به المريدون و تراه يستوحش إذا خلا باللَّه تعالى، فهل رأيت محبّا يستوحش من محبوبه و يستروح منه إلى غيره؟! الأكياس يمتحنون أنفسهم في هذه الصفات و يطالبونها بالحقيقة و لا يقنعون منها بالتزويق بل بموثق من اللَّه غليظ، و المغترّون يحسنون بأنفسهم الظنون، و إذا كشف الغطاء عنهم في الآخرة يفتضحون، بل يطرحون في الآخرة في النار فتندلق أقتابهم فيدور بها أحدهم كما يدور الحمار بالرحى كما ورد به الخبر [١] لأنّهم يأمرون بالخير و لا يأتونه و ينهون عن الشرّ و يأتونه، و إنّما وقع الغرور لهؤلاء لأنّهم يصادفون من قلوبهم شيئا ضعيفا من أصول هذه المعاني و هو حبّ اللَّه تعالى و الخوف منه و الرّضا بفعله، ثمّ قدروا مع ذلك على وصف المنازل العالية في هذه المعاني فظنّوا أنّهم ما قدروا على وصف ذلك و ما رزقهم اللَّه علمه و ما نفع الناس بكلامهم فيها إلّا لاتّصافهم بها و ذهب عليهم [٢] أنّ القبول للكلام، و الكلام للمعرفة، و جريان اللّسان و المعرفة للعلم، و أنّ كلّ ذلك غير الاتّصاف بالصفة، فلم يفارق آحاد المسلمين في الاتّصاف بصفة الحبّ و الخوف بل في القدرة على الوصف، بل ربّما زاد أمنه و قلّ خوفه و ظهر إلى الخلق ميله، و ضعف في قلبه حبّ اللَّه تعالى، و إنّما مثاله مثال مريض يصف المرض و يصف دواءه بفصاحته و يصف الصحّة و الشفاء، و غيره من المرضى لا يقدر على وصف الصحّة و الشفاء و أسبابه و درجاته و أصنافه، فهؤلاء يفارقهم في صفة المرض و الاتّصاف به، و إنّما يفارقه في الوصف و العلم بالطبّ فظنّه عند علمه بحقيقة الصحّة أنّه صحيح غاية الجهل فكذلك العلم بالخوف و الحبّ و التوكّل و الزّهد و سائر هذه الصفات غير الاتّصاف بحقائقها، و من التبس عليه وصف الحقائق بالاتّصاف بالحقائق فهو مغرور، فهذه حالة الوعّاظ الّذين لا عيب في كلامهم، بل منهاج وعظهم منهاج وعظ القرآن
[١] تقدم غير مرة في هذا الكتاب.
[٢] ذهب عليهم أي خفى فلم يدركوا.
المحجة