المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٩
(بيان الإيثار و فضيلته)
اعلم أنّ السخاء و البخل كلّ واحد منهما ينقسم إلى درجات فأرفع درجات السخاء الإيثار، و هو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه و إنّما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج و البذل مع الحاجة إليه أشدّ و كما أنّ السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة، و كم من بخيل يمسك المال و يمرض فلا يتداوى، و يشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلّا البخل بالثمن و لو وجدها مجّانا لأكلها فهذا يبخل على نفسه مع الحاجة و ذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنّه محتاج إلى ذلك، فانظر ما بين الرّجلين فإنّ الأخلاق عطايا يضعها اللّه حيث يشاء و ليس بعد الإيثار درجة في السخاء و قد أثنى اللّه تعالى على الصحابة فقال: «وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» [١].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أيّما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته و آثر على نفسه غفر له» [٢].
و قالت عائشة: ما شبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثلاثة أيّام متوالية حتّى فارق الدّنيا و لو شئنا لشبعنا و لكنّا كنّا نؤثر على أنفسنا» [٣].
و نزل برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب به إلى أهله فوضع بين يديه الطعام و أمر امرأته بإطفاء السراج و جعل يمدّ يده إلى الطعام كأنّه يأكل و لا يأكل حتّى أكل الضيف الطعام، فلمّا أصبح قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لقد عجب اللّه من صنيعكم إلى ضيفكم البارحة و نزلت «وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» [٤]. فالسخاء خلق من أخلاق اللّه تعالى
[١] الحشر: ١٠.
[٢] أخرجه ابن حبان في الضعفاء و أبو الشيخ في الثواب من حديث ابن عمر و قد تقدم.
[٣] تقدم كرارا.
[٤] صحيح البخاري ج ٦ ص ١٨٠.
المحجة