المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٦
الثانيّ أنّه إذا تيسّر له في الحال ما يكفيه فلا ينبغي أن يكون شديد الاضطراب لأجل الاستقبال، و يعينه على ذلك قصر الأمل و التحقّق بأنّ الرّزق الّذي قدّر له لا بدّ و أن يأتيه و إن لم يشتدّ حرصه، فإنّ شدّة الحرص ليست هي السبب لوصول الأرزاق، بل ينبغي أن يكون واثقا بوعد اللّه تعالى إذ قال: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» [١] و ذلك لأنّ الشيطان يعده الفقر و يأمره بالفحشاء و يقول:
إن لم تحرص على الجمع و الادّخار فربّما تمرض و ربّما تعجز و تحتاج إلى احتمال الذّل في السّؤال، فلا يزال طول العمر يتعبه في الطلب خوفا من التعب و يضحك عليه في احتمال التعب نقدا مع الغفلة عن اللّه لتوهّم تعبه في ثاني الحال و ربّما لا يكون، و في مثله قيل:
و من ينفق الساعات في جمع ماله
مخافة فقر فالّذي فعل الفقر
و قد دخل ابنا خالد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال لهما: «لا تيأسا من الرّزق ما تهزهزت رءوسكما فإنّ الإنسان تلده أمّه أحمر ليس عليه قشر، ثمّ يرزقه اللّه تعالى» [٢].
و مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بابن مسعود و هو حزين فقال له: «لا تكثر همّك ما قدّر يكن و ما ترزق يأتك» [٣].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ألاّ أيّها الناس أجملوا في الطلب، فإنّه ليس لعبد إلّا ما كتب له و لن يذهب عبد من الدّنيا حتّى يأتيه ما كتب له من الدّنيا و هي راغمة» [٤] و لا ينفكّ الإنسان عن الحرص إلّا بحسن ثقة بتدبير اللّه في تقدير أرزاق العباد و أنّ ذلك يحصل لا محالة مع الإجمال في الطلب، بل ينبغي أن يعلم أنّ رزق اللّه للعبد من حيث لا يحتسب أكثر، قال اللّه تعالى: «وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»
[١] هود: ٦.
[٢] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤١٦٥ و ابنا خالدهما حبة و سواء.
[٣] أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث خالد بن رافع كما في المغني.
[٤] تقدم قبل عن الحاكم و غيره.
المحجة