المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٢
فإن قلت: فإذا فعل جميع ذلك فما الّذي يخاف عليه؟ فأقول يخاف عليه أن يخدعه الشيطان و يدعوه إلى نصح الخلق و نشر العلم و دعوة الناس إلى ما عرفه من دين اللَّه عزّ و جلّ فإنّ المريد المخلص إذا فرغ من تهذيب الأخلاق و راقب القلب حتّى صفاه عن جميع الكدورات و استوى على الصّراط المستقيم و صغرت الدّنيا في عينه و تركها و انقطع طمعه عن الخلق فلم يلتفت إليهم و لم يبق له إلّا همّ واحد و هو اللَّه تعالى و التلذّذ بذكره و مناجاته و الشوق إلى لقائه و قد عجز الشيطان عن إغوائه إذ يأتيه من جهة الدّنيا و شهوات النفس فلا يطيعه و يأتيه من جهة الدّين و يدعوه إلى الرّحمة على خلق اللَّه و الشفقة عليهم و على دينهم بالنصح بهم و الدّعاء إلى اللَّه، فينظر العبد برحمته إلى العبيد فيراهم حيارى في أمرهم سكارى في دينهم صمّا عميا قد استولى عليهم المرض و هم لا يشعرون و فقدوا الطبيب و أشرفوا على العطب فغلب على قلبه الرّحمة لهم و قد كان عنده حقيقة المعرفة بما يهديهم و يبيّن لهم ضلالهم و يرشدهم إلى سعادتهم و هو يقدر على ذكرها من غير تعب و مئونة و لزوم غرامة، و كان مثله كرجل كان به داء عظيم لا يطاق ألمه و قد كان لذلك يسهر ليله و يقلق نهاره لا يأكل و لا يشرب و لا يتحرّك و لا يتصرّف لشدّة ضربان الألم فوجد له دواء عفوا صفوا من غير ثمن و لا تعب و لا مرارة في تناوله فاستعمله فبرأ و صحّ فطاب نومه باللّيل بعد طول سهره، و هدأ بالنهار بعد شدّة القلق، و طاب عيشه بعد نهاية الكدر و أصاب لذّة العافية بعد طول السّقام ثمّ نظر إلى عدد كثير من المسلمين و إذا بهم تلك العلّة بعينها و قد طال سهرهم، و اشتدّ قلقهم، و ارتفع إلى السماء أنينهم، فتذكّر أنّ دواءهم هو الّذي يعرفه و يقدر على شفائهم بأسهل ما يكون و في أسرع زمان يقدر، فأخذته الرّحمة و الرّقّة، و لم يجد فسحة من نفسه في التراخي عن الاشتغال بعلاجهم، فكذلك العبد المخلص بعد أن اهتدى إلى الطريق و شفي من أمراض القلوب شاهد الخلق، و قد مرضت قلوبهم، و أعضل داؤهم، و قرب هلاكهم و شقاؤهم، و سهل عليه دواؤهم، فانبعث من ذات نفسه عزم جازم في الاشتغال بنصحهم و حرّضه الشيطان على ذلك رجاء أن يجد مجال
المحجة