المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٢
حيث لا يرونه بل من وراء حجاب و هو في ذلك الموضع بعينه هل كانت تسخو نفسه بالصلاة و هم لا يرونه، فإن سخت نفسه بها فليصلّ فإنّ باعثه الحقّ، و إن كان ذلك يثقل على نفسه لو غاب عن أعينهم فليترك، فإنّ باعثه الرّياء.
و كذلك قد يحضر الإنسان يوم الجمعة في الجامع من نشاط الصلاة ما لا يحضره كلّ يوم، و يمكن أن يكون ذلك لحبّ حمدهم، و يمكن أن يكون سبب تحرّك نشاطه بسبب نشاطهم و زوال غفلته بسبب إقبالهم على اللّه تعالى، و قد يتحرّك بذلك باعث الدّين و يقارنه نزوع النفس إلى حبّ الحمد، فمهما علم أنّ الغالب على قلبه إرادة الدّين فلا ينبغي أن يترك العمل لما يجده من حبّ الحمد، بل ينبغي أن يردّ ذلك على نفسه بالكراهة و يشتغل بالعبادة، و كذلك قد تبكي جماعة فينظر إليهم فيحضره البكاء خوفا من اللّه لا من الرّياء و لو سمع ذلك الكلام وحده لما بكى و لكن بكاء الناس يؤثّر في ترقيق القلب، و قد لا يحضره البكاء فيتباكى تارة للرّياء و تارة مع الصدق إذ يخشى على نفسه قساوة القلب حين يبكون فلا تدمع عينه فيتباكى تكلّفا، و ذلك محمود و علامة الصدق فيه أن يعرض على نفسه أنّه لو سمع بكاءهم من حيث لا يرونه هل كان يخاف على نفسه القساوة فيتباكى أم لا؟ فإن لم يجد ذلك عند تقدير الاختفاء عن أعينهم فإنّما خوفه من أن يقال:
إنّه قاسي القلب فينبغي أن يترك التباكي.
قال لقمان عليه السّلام لابنه: لا تري الناس أنّك تخشى اللّه ليكرموك و قلبك فاجر.
و كذلك الصيحة و التنفّس و الأنين عند القرآن أو الذّكر أو بعض مجاري الأحوال تارة تكون من الصدق و الحزن و الخوف و الندم و التأسّف و تارة تكون بمشاهدة حزن غيره و قساوة قلبه فيتكلّف التنفّس و الأنين و يتحازن و ذلك محمود، و قد تقترن به الرّغبة فيه لدلالته على أنّه كثير الحزن ليعرف بذلك فإن تجرّدت هذه الدّاعية فهي الرّياء و إن اقترنت بداعية الحزن فإن أباها و لم يقبلها و كرهها سلم بكاؤه و تباكيه، و إن قبل ذلك و ركن إليه بقلبه حبط أجره و ضاع سعيه و تعرّض لسخط اللّه به، و قد يكون أصل الأنين من الحزن و لكن يمدّه و يزيد
المحجة