المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٤
لعلمهم بأنّ أرباب البوادي لا يروّج عندهم الزائف، و الحاجة تشتدّ في البادية، و لا وطن يفزع إليه، و لا حميم يتمسّك به، فلا ينجي إلّا الخالص من النّقد، فهكذا يشاهد أرباب القلوب يوم القيامة و الزّاد الّذي يتزوّدونه له التقوى فإذن شوائب الرّياء الخفيّ كثيرة لا تنحصر و مهما أدركت النفس تفرقة بين أن يطّلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرّياء فإنّه لمّا قطع طمعه عن البهائم لم يبال حضره البهائم أو الصبيان الرّضّع أو غابوا، اطّلعوا على حركته أو لم يطّلعوا، و لو كان مخلصا قانعا بعلم اللّه لاستحقر عقلاء العباد كما استحقر صبيانهم و مجانينهم، و علم أنّ العقلاء لا يقدرون له على رزق و لا أجل و زيادة ثواب و نقصان عقاب، كما لا يقدر عليه البهائم و الصبيان و المجانين، فإذا لم يجد ذلك ففيه شوب رياء خفيّ و لكن ليس كلّ شوب محبطا للأجر و مفسدا للعمل بل فيه تفصيل.
فان قلت: فما نرى أحدا ينفكّ عن السّرور إذا عرفت طاعاته فالسّرور مذموم كلّه أو بعضه محمود؟.
فنقول أوّلا: كلّ سرور فليس بمذموم بل السّرور منقسم إلى محمود و مذموم، فأمّا المحمود فأربعة:
الاوّل: أن يكون قصده إخفاء الطاعة و الإخلاص للَّه و لكن لمّا اطّلع عليه الخلق علم أنّ اللّه اطّلعهم عليه و أظهر الجميل من أحوالهم فيستدلّ به على حسن صنيع اللّه به و نظره له و الطافه به فإنّه يستر الطاعة و المعصية، ثمّ اللّه يستر عليه المعصية و يظهر الطاعة، فلا لطف أعظم من ستر القبيح و إظهار الجميل، فيكون فرحه بجميل نظر اللّه له لا بحمد الناس و قيام المنزلة في قلوبهم، و قد قال اللّه تعالى:
«قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» [١] و كأنّه ظهر له أنّه عند اللّه مقبول ففرح به.
الثاني: أن يستدلّ بإظهار اللّه الجميل و ستره القبيح عليه في الدّنيا أنّه كذلك يفعل به في الآخرة إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما ستر اللّه على عبد ذنبا في الدّنيا
[١] يونس: ٥٨.
المحجة