المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٥
قال: يا فاطمة بنت محمّد يا صفيّة بنت عبد المطلب عمّة رسول اللَّه اعملا لأنفسكما فإنّي لا اغني عنكما من اللَّه شيئا» [١].
فمن عرف هذه الأمور و علم أنّ شرفه بقدر تقواه و قد كان من عادة آبائه التواضع فإن اقتدى بهم في التقوى و التواضع و إلّا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما انتمى إليهم و لم يشبههم في التواضع و التقوى و الخوف و الإشفاق.
فإن قلت: فقد قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بعد قوله لفاطمة و صفيّة: «إنّي لا اغني عنكما من اللَّه شيئا إلّا أنّ لكما رحما سأبلّها ببلالها» [٢]. و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم:
«أ ترجو سليم شفاعتي و لا يرجوها بنو عبد المطّلب» [٣] و ذلك يدلّ على أنّه سيخصّ قرابته بالشفاعة. فاعلم أنّ كلّ مسلم منتظر شفاعة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و النسب أيضا جدير بأن يرجوها و لكن بشرط أن يتّقي اللَّه و يخاف أن يغضب عليه فلا يأذن لأحد في شفاعته فإنّ الذّنوب منقسمة إلى ما يوجب المقت فلا يؤذن في الشفاعة فيه و إلى ما يعفى عنه بسبب الشفاعة كالذّنوب عند ملوك الدّنيا فإنّ كلّ ذي مكانة عند الملك لا يقدر على الشفاعة في من اشتدّ عليه غضب الملك فمن الذّنوب ما لا ينجي منه الشفاعة و عنه العبارة بقوله تعالى: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [٤] و بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [٥] و بقوله: لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا [٦] و بقوله: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [٧] و إذا انقسمت الذّنوب إلى ما يشفع فيه و إلى ما لا يشفع فيه وجب
[١] أخرجه أحمد و مسلم و الترمذي و ابن جرير و ابن مردويه عن عائشة راجع الدر المنثور ج ٥ ص ٩٥.
[٢] قوله: «سأبلها ببلالها» أي أصلكم في الدنيا و لا أغنى عنكم من اللَّه شيئا و البلال جمع بلل و قيل: كل ما بل الحلق من ماء أو لبن أو غيره (النهاية) و هذا تتمة الخبر السابق.
[٣] أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عبد اللَّه بن جعفر (المغني).
[٤] الأنبياء: ٢٩.
[٥] البقرة: ٢٥٧.
[٦] طه: ١٠٨.
[٧] المدثر: ٥٠.
المحجة