المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٤
يلتبس ما في الزّجاج بالزّجاج كما قيل:
رقّ الزّجاج و رقّت الخمر
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنّما خمر و لا قدح
و كأنّما قدح و لا خمر
و بهذه العين نظر النصارى إلى المسيح فرأوا إشراق نور اللَّه قد تلألأ فيه فغلطوا فيه كمن يرى كوكبا في المرآة أو في الماء فيمدّ اليد إليه ليأخذه و هو مغرور.
و أنواع الغرور في طريق السلوك إلى اللَّه لا تحصى في مجلّدات و لا تستقصى إلّا بعد شرح جميع علوم المكاشفة و ذلك ممّا لا رخصة في ذكره و لعلّ القدر الّذي ذكرناه أيضا كان الأولى تركه إذ السالك لهذا الطريق لا يحتاج إلى أن يسمعه من غيره، و الّذي لم يسلكه لا ينتفع بسماعه بل ربّما يستضرّ به إذ يورث ذلك دهشة من حيث يسمع ما لا يفهم و لكن في ذكره فائدة و هو إخراجه من الغرور الّذي هو فيه إذ ربّما يصدّق بأنّ الأمر أعظم ممّا يظنّه و ممّا يتخيّله بذهنه المختصر و خياله القاصر وجد له المزخرف و يصدّق أيضا بما يحكى له من المكاشفات الّتي أخبر عنها أولياء اللَّه تعالى، و من عظم غروره ربّما أصرّ مكذّبا بما يسمعه الآن كما يكذّب بما سمعه من قبل و اللَّه أعلم.
الصنف الرابع أرباب الأموال و المغترّون منهم فرق كثيرة.
ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد
و المدارس و الرباطات و القناطر و ما يظهر للناس كافّة و يكتبون أساميهم بالآجر عليها ليتخلّد ذكرهم و يبقى بعد الموت أثرهم و هم يظنّون أنّهم قد استحقّوا المغفرة بذلك و قد اغترّوا فيه من وجهين أحدهما أنّهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الظلم و النهب و الرّشا و الجهات المحظورة فهم قد تعرّضوا لسخط اللَّه في كسبها و تعرّضوا لسخطه في إنفاقها و كان الواجب عليهم الامتناع عن كسبها فإذا عصوا اللَّه تعالى بكسبها كان الواجب عليهم التوبة و الرّجوع إلى اللَّه تعالى و ردّها إلى ملّاكها إمّا بأعيانها أو ردّ بدلها عند العجز، فإن عجزوا عن الملاّك فكان الواجب ردّها إلى الورثة، فإن لم يبق للمظلوم وارث فالواجب صرفها إلى أهمّ المصالح، و ربّما يكون الأهمّ التفرقة على المساكين و هم لا يفعلون ذلك خيفة من أن لا يظهر ذلك للناس فيبنون الأبنية بالآجر و غرضهم
المحجة