المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٨
لي الآن بذله و لم آمن على نفسي أن تتغيّر، و لا تزول صفة البخل إلّا بالبذل تكلّفا كما لا يزول العشق إلّا بمفارقة المعشوق بالسفر عن مستقرّه حتّى إذا سافر و فارق تكلّفا و صبر عنه مدّة تسلّى عنه قلبه فكذلك الّذي يريد علاج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلّفا بأن يبذله، بل لو رماه في الماء كان أولى به [١] من إمساكه إيّاه مع الحبّ له، و من لطائف الحيل فيه أن يخدع نفسه بحسن الاسم و الاشتهار بالسخاء فيبذل على قصد الرّياء حتّى تسمح نفسه بالبذل طمعا في حشمة الجود فيكون قد أزال عن نفسه خبث البخل و اكتسب لها خبث الرياء، و لكن ينعطف بعد ذلك على الرّياء و يزيله بعلاجه، و يكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال كما قد يسلّى الصبيّ عند الفطام عن الثدي باللّعب بالعصافير و غيرها، لا للبخل و اللّعب و لكن لينفكّ عن الثدي إليه ثمّ ينقل عنه إلى غيره فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي أن يسلّط بعضها على بعض كما تسلّط الشهوة على الغضب و تكسر سورته بها و يسلّط الغضب على الشهوة و تكسر رعونتها به إلّا أنّ هذا مفيد في حق من كان البخل أغلب عليه من حبّ الجاه و الرّياء فيبدّل الأقوى بالأضعف، فإن كان الجاه محبوبا عنده كالمال فلا فائدة فيه فإنّه يقلع من علّة و يزيد في الأخرى مثلها إلّا أنّ علامة ذلك أن لا يثقل عليه البذل لأجل الرّياء فبذلك يتبيّن أنّ الرّياء أغلب عليه فإن كان البذل يشقّ عليه مع الرّياء فينبغي أن يبذل فإنّ ذلك يدلّ على أنّ مرض البخل أغلب على قلبه و مثال دفع بعض هذه الصفات ببعض ما يقال: من أنّ الميّت تستحيل جميع أجزائه دودا ثمّ يأكل بعض الدّيدان البعض حتّى يقلّ عددها و يكبرون ثمّ يأكل بعضهم بعضا حتّى يرجع إلى اثنين قويّين عظيمين ثمّ لا يزالان يتقاتلان إلى أن يغلب أحدهما الآخر فيأكله و يسمن به ثمّ لا يزال يبقى وحده جائعا إلى أن يموت فكذلك هذه الصفات الخبيثة يمكن أن يسلّط بعضها على بعض حتّى يقمعها فيجعل الأضعف قوتا للأقوى إلى أن لا يبقى إلّا واحدة ثمّ تقع العناية بمحوها و إذابتها بالمجاهدة، و هو منع القوت عنها، و منع القوت عن الصفات المذمومة أن لا يعمل بمقتضاها فإنّها تقتضي لا محالة أعمالا فإذا خولفت خمدت
[١] غير أنه حرام شرعا.
المحجة