المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٨
أن يقع فيما لا يحلّ له ليتوصّل إلى نيل الحمد، فهو قريب من الهالكين جدّا.
و منهم من لا يريد المدحة و لا يسعى لطلبها و لكن إذا مدح سبق السرور إلى قلبه فإذا لم يقابل ذلك بالمجاهدة و لم يتكلّف الكراهية فهو قريب من أن يستجرّه فرط السرور إلى الرّتبة الّتي قبلها، و إن جاهد نفسه في ذلك و كلّف قلبه الكراهية و بغّض السرور إليه بالتفكّر في آفات المدح فهو في خطر المجاهدة، فتارة تكون اليد له و تارة تكون عليه، و منهم من إذا سمع المدح لم يسرّ به و إذا سمع الذّمّ لم يغتمّ و لم يؤثر فيه و هذا على خير، و إن كان قد بقي عليه بقيّة من الإخلاص، و منهم من يكره المدح إذا سمعه و لكن لا ينتهي به إلى أن يغضب على المادح و ينكر عليه و أقصى درجاته أن يكره و يغضب و يظهر الغضب و هو صادق فيه، لا أن يظهر الغضب و قلبه محبّ له فإنّ ذلك عين النفاق لأنّه يريد أن يظهر من نفسه الإخلاص و الصدق و هو مفلس عنه و كذلك بالضدّ من هذا تتفاوت الأحوال في حقّ الذّامّ، و أوّل درجاته إظهار الغضب و آخرها إظهار الفرح، و لا يكون الفرح و إظهاره إلّا ممّن في قلبه حنق و حقد على نفسه لتمرّدها عليه و لكثرة عيوبها و مواعيدها الكاذبة و تلبيساتها الخبيثة فيبغضها بغض العدوّ، و الإنسان يفرح ممّن يذمّ عدوّه، و هذا شخص عدوّه نفسه فيفرح إذا سمع ذمّها و يشكر الذّامّ على ذلك و يعتقد فطنته و ذكاءه لما وقف على عيوبها فيكون ذلك كالتشفّي له من نفسه و يكون غنيمة عنده إذا صار بالمذمّة أوضع في أعين الناس حتّى لا يبتلى بفتنة الناس، و إذا سيقت إليه حسنات لم ينصب فيها فعساه يكون جبرا لعيوبه الّتي هو عاجز عن إماطتها و لو جاهد المريد نفسه طول عمره في هذه الخصلة الواحدة و هو أن يستوي عنده ذامّه و مادحه لكان له شغل شاغل فيه لا يتفرّغ معه لغيره، و بينه و بين السعادة عقبات كثيرة هذه إحدى تلك العقبات، و لا ينفع شيء منها إلّا بالمجاهدة الشديدة في العمر الطويل.
(الشطر الثاني من الكتاب في طلب الجاه و المنزلة بالعبادات و هو الرّياء)
و فيه بيان ذمّ الرّياء و بيان حقيقة الرّياء و ما يراءى به، و بيان درجات الرّياء، و بيان الرّياء الخفيّ، و بيان ما يحبط العمل من الرّياء و ما لا يحبط،
المحجة