المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١١
و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «شرّ الناس العلماء السوء» [١] و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللَّه بعلمه» [٢] فهذا و أمثاله ممّا أوردناه في كتاب العلم في باب علامة علماء الآخرة أكثر من أن يحصى إلّا أنّ هذا فيما لا توافق هوى العالم الفاجر و ما ورد في فضل العلم يوافقه فيميل الشيطان قلبه إلى ما يهواه و ذلك عين الغرور فإنّه إن نظر بالبصيرة فمثاله ما ذكرناه و إن نظر بعين الإيمان فالّذي أخبره بفضيلة العلم هو الّذي أخبره بذمّ العلماء السوء و أنّ حالهم عند اللَّه تعالى أشدّ من حال الجهّال فبعد ذلك اعتقاده أنّه على خير مع تأكّد حجّة اللَّه عليه غاية الغرور. و أمّا الّذي يدّعي علوم المكاشفة كالعلم باللَّه و صفاته و أسمائه و هو مع ذلك يهمل العمل و يضيّع أمر اللَّه تعالى و حدوده فغروره أشدّ، و مثاله كمن أراد خدمة ملك فعرف الملك و عرف أخلاقه و أوصافه و لونه و شكله و طوله و عرضه و عادته و مجلسه و لم يتعرّف ما يحبّه و يكرهه و ما يغضب عليه و ما يرضى به أو عرف ذلك إلّا أنّه قصد خدمته و هو ملابس بجميع ما يغضب به و عاطل عن جميع ما يحبّه من زيّ و هيئة و كلام و حركة و سكون، فورد على الملك و هو يريد التقرّب منه و الاختصاص به متلطّخا بجميع ما يكرهه الملك، عاطلا عن جميع ما يحبّه، متوسّلا إليه بمعرفته له و لنسبه و اسمه و بلده و شكله و صورته و عادته في سياسة غلمانه و معاملة رعيّته، فهذا مغرور جدّا إذ لو ترك جميع ما عرفه و اشتغل بمعرفته فقطّ و معرفة ما يحبّه و يكرهه لكان ذلك أقرب إلى نيله المراد من قربه و الاختصاص به، بل تقصيره في التقوى و اتّباعه للشهوات يدلّ على أنّه لم ينكشف له من معرفة اللَّه تعالى إلّا الأسامي دون المعاني، إذ لو عرف اللَّه تعالى حقّ معرفته لخشيه و اتّقاه قال اللَّه تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٣] و فاتحة الزّبور «رأس الحكمة خشية اللَّه». و قال ابن مسعود: «كفى بخشية اللَّه
[١] أخرجه البزار من حديث معاذ هكذا «شرار الناس شرار العلماء في الناس» بإسناد حسن كما في الجامع الصغير و قد تقدم.
[٢] أخرجه الطبراني في الصغير و فيه عثمان البري قال الفلاس: صدوق لكنه كثير الغلط و ضعفه أحمد و النسائي و الدارقطني كما في مجمع الزوائد ج ١ ص ١٨٥.
[٣] فاطر: ٢٨.
المحجة