المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٤
حتّى انتهى إلى عثمان يستغيث به و أخبره الخبر، فأقبل أبو ذرّ- رحمه اللّه- يقتصّ الأثر في طلب كعب حتّى انتهى إلى دار عثمان فلمّا دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذرّ، فقال له أبو ذرّ: هيه يا ابن اليهوديّة تزعم أن لا بأس بما ترك عبد الرّحمن بن عوف لقد خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوما نحو أحد و أنا معه فقال: يا أبا ذرّ فقلت: لبّيك يا رسول اللّه، فقال: «الأكثرون هم الأقلّون يوم القيامة إلّا من قال هكذا و هكذا عن يمينه و شماله و قدّامه و خلفه و قليل ما هم، ثمّ قال: يا أبا ذرّ قلت: نعم يا رسول اللّه بأبي أنت و امّي، قال: ما يسرّني أنّ لي مثل أحد ذهبا أنفقه في سبيل اللّه أموت يوم أموت و أترك منه قيراطين قلت أو قنطارين يا رسول اللّه؟ قال: بل قيراطان، ثمّ قال: يا أبا ذرّ و أنت تريد الأكثر و أنا أريد الأقلّ» فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يريد هذا و أنت تقول- يا ابن اليهوديّة-:
لا بأس بما ترك عبد الرّحمن بن عوف، كذبت و كذب من قال بقولك، فلم يردّ جوابا حتّى خرج[١]و بعد فالعجب كلّ العجب لكلّ مفتون يتمرّغ في مخاليط الشبهات و السّحت و يتكالب على أوساخ الناس و هو يتقلّب في الشهوات و الزّينة و المباهاة و يتقلّب في فتن الدّنيا، ثمّ يحتجّ بالصحابة و لعمري لقد كانت لبعض الصحابة أموال أرادوا بها التعفّف و البذل في سبيل اللّه فكسبوا حلالا، و أنفقوا قصدا، و قدّموا فضلا، و لم يمنعوا منها حقّا، و لم يبخلوا بها، لكنّهم جادوا اللّه بأكثرها و جاد بعضهم بجميعها، و في الشدّة آثروا اللّه تعالى على أنفسهم كثيرا فباللّه أ كذلك أنت إنّك لبعيد التشبّه بالقوم و بعد فإنّ أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبّين و من خوف الفقر آمنين و باللّه في أرزاقهم واثقين و بمقادير اللّه
[١] قال العراقي: الحديث متفق عليه و قد تقدم دون هذه الزيادة التي في أوله من قول كعب حين مات عبد الرحمن بن عوف «كسب طيبا و ترك طيبا» و إنكار أبي ذر عليه فلم أقف على هذه الزيادة الا في قول الحارث المحاسبي بلغني كما ذكره المصنف (يعنى أبا حامد) و قد رواها أحمد و أبو يعلى أخصر من هذا و لفظ كعب إذا كان قضى عنه حق اللّه فلا بأس به فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا و قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «ما أحب لو كان هذا الجبل لي ذهبا ... الحديث» و فيه ابن لهيعة.
المحجة