المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥
رجل، و مددت يدي لا صافحه فأبى أن يصافحني، فقلت رحمك اللّه يا أويس و غفر لك كيف أنت رحمك اللّه؟ ثمّ خنقتني العبرة من حبّي إيّاه و رقّتي عليه إذ رأيت من حاله ما رأيت حتّى بكيت و بكى، ثمّ قال: و أنت فحيّاك اللّه يا هرم بن حيّان كيف أنت يا أخي و من دلّك عليّ؟ قال: قلت: اللّه، فقال: لا إله إلّا اللّه سبحان اللّه، إن كان وعد ربّنا لمفعولا، قال: فتعجّبت حين عرفني و لا و اللّه ما رأيته قبل ذلك و لا رآني، فقلت: من أين عرفت اسمي و اسم أبي و ما رأيتك قبل اليوم؟ قال: نبّأني العليم الخبير، عرف روحي روحك حين كلّمت نفسي نفسك، إنّ الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد و إنّ المؤمنين ليعرف بعضهم بعضا و يتحابّون بروح اللّه و إن لم يلتقوا، يتعارفون و يتكلّمون و إن نأت بهم الدار و تغرّبت بهم المنازل، قال: قلت:
حدّثني رحمك اللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بحديث أسمعه منك، قال: إنّي لم أدرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم تكن لي معه صحبة بأبي و امّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لكن رأيت رجالا قد صحبوه و بلغني من حديثه نحوا ممّا بلغك و لست أحبّ أن أفتح هذا الباب على نفسي أن أكون محدّثا أو مفتيا أو قاضيا، في نفسي شغل شاغل عن الناس يا هرم ابن حيّان، فقلت: يا أخي اقرأ عليّ آية من القرآن أسمعها منك و ادع لي بدعوات و أوصني بوصية أحفظها عنك فإنّي احبّك في اللّه حبّا شديدا، قال: فقام و أخذ بيدي على شاطئ الفرات ثمّ قال: أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرّجيم تمّ بكى، ثمّ قال: قال ربّي- و الحق قول ربّي و أصدق الكلام كلامه- ثمّ قرأ:
«وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ- حتّى انتهى إلى قوله:- إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» فشهق شهقة ظننت أنّه قد غشي عليه، ثمّ قال: يا ابن حيّان مات أبوك حيّان و يوشك أن تموت أنت فإمّا إلى جنّة و إمّا إلى نار، و مات أبوك آدم، و ماتت أمّك حوّاء، و مات نوح، و مات إبراهيم خليل الرّحمن، و مات موسى نجي الرّحمن، و مات داود خليفة الرّحمن، و مات محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو رسول ربّ العالمين، و مات أبو بكر و مات عمر، ثم قال: وا عمراه، قال:
فقلت: رحمك اللّه إنّ عمر لم يمت، قال قد نعاه إليّ ربّي و نعى إليّ نفسي، ثمّ قال: أنا و أنت
المحجة