المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٨
(فصل) فإن قلت: فهذه الآفات ظاهرة
و لكن ورد في العلم و الوعظ رغائب كثيرة حتّى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لأن يهدي اللّه بك رجلا خير لك من الدّنيا و ما فيها»[١]. و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أيّما داع دعا إلى هدى و اتّبع عليه كان له أجره و أجر من اتّبعه» [١].
إلى غير ذلك من فضائل العلم، فينبغي أن يقال للعالم: اشتغل بالعلم و اترك مراءاة الخلق كما يقال لمن خالجه الرّياء في الصلاة: لا تترك العمل و لكن أتمم العمل و جاهد نفسك.
فاعلم أنّ فضل العلم كبير و خطره عظيم كفضل الخلافة و الإمارة و لا نقول لأحد من عباد اللّه: اترك العلم إذ ليس في نفس العلم آفة إنّما الآفة في إظهاره للتصدّي بالوعظ و التدريس و رواية الأحاديث و لا نقول له أيضا: اتركه ما دام يجد من نفسه باعثا دينيّا ممزوجا بباعث الرّياء و أمّا إذا لم يحرّكه إلّا الرّياء، فترك الإظهار أنفع له و أسلم و كذلك نوافل الصلوات إذا تجرّد فيها باعث الرّياء وجب تركها، امّا إذا خطر له وساوس الرّياء في أثناء الصلاة و هو له كاره فلا يترك الصلاة لأنّ آفة الرّياء في العبادات ضعيفة و إنّما تعظم في الولايات و في التصدّي للمناصب الكبيرة كالعلم. و بالجملة فالمراتب ثلاث:
الأولى: الولايات و الآفات فيها عظيمة و قد تركها جماعة من السلف خوفا من الآفة.
الثانية الصلاة و الصوم و الحجّ و الصدقة و قد تعرّض لها أقوياء السلف
[١] أخرجه البخاري ج ٦ ص ٢٣ من حديث سهل بن سعد ذيل حديث إعطائه (ص) الراية لعلى عليه السّلام و ساق الحديث إلى أن قال: «فقال على يا رسول اللّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: أنفذ على رسلك حتى ينزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام و أخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فو اللّه لان يهدى اللّه بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم».
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٢٠٥ بزيادة في أوله. و لمسلم نحوه مختصرا.
المحجة