المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٧
لا يحبّ الحمد و لكن يكره الذّمّ و إنّما مراده أن يتركه الناس حمدا و ذمّا فكم من صابر عن لذّة الحمد لا يصبر على ألم الذّمّ إذ الحمد بطلب اللّذّة و عدم اللّذّة لا يؤلم و أمّا الذّمّ فإنّه مؤلم، فحبّ الحمد على الطاعات طلب ثواب الطاعة في الحال، و أمّا كراهة الذّمّ على المعصية فلا محذور فيه إلّا أمر واحد و هو أن يشغله غمّه باطّلاع الخلق على ذنبه عن اطّلاع اللّه، فإنّ ذلك غاية النقصان في الدّين، بل ينبغي أن يكون غمّه باطّلاع اللّه و ذمّه له أكثر. و قد يكره الذّمّ من حيث إنّ الذّامّ قد عصى اللّه تعالى به و هذا من الإيمان، و علامته أن يكره ذمّه لغيره أيضا، فهذا التوجّع لا يفرق بينه و بين غيره بخلاف التوجّع من جهة الطبع.
الخامس: أن يستر ذلك كيلا يقصد بشرّ
إذا عرف ذنبه و هذا وراء ألم الذّمّ فإنّ الذّمّ مؤلم من حيث يشعر القلب بنقصانه و خسّته، و إن كان ممّن يؤمن شرّه، و قد يخاف شرّ من يطّلع على ذنبه بسبب من الأسباب فله أن يستر ذلك حذرا منه.
السادس: مجرّد الحياء
فإنّه نوع ألم وراء ألم الذّمّ و القصد بالشرّ، و الحياء هو خلق كريم يحدث في أوّل الصبا مهما أشرق عليه نور العقل فيستحي من القبائح إذا شوهدت منه و هو وصف محمود، إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الحياء خير كلّه» [١] و قال: «الحياء شعبة من الإيمان» [٢]. و قال: «الحياء لا يأتي إلّا بالخير» [٣].
و قال: «إنّ اللّه يحبّ الحييّ الحليم» [٤] فالّذي يفسق و لا يبالي بأن يظهر فسقه للناس قد جمع إلى الفسق التهتّك و الوقاحة و فقد الحياء فهو أشدّ حالا ممّن يفسق فيستره و يستحي إلّا أنّ الحياء ممتزج بالرّياء يشتبه به اشتباها عظيما قلّ من يتفطّن له، و يدّعي كلّ مراء أنّه مستحي و أنّ سبب تحسينه للعبادات هو الحياء من
[١] أخرجه مسلم ج ١ ص ٤٧ من حديث عمران بن حصين.
[٢] أخرجه البخاري ج ١ ص ٩ من حديث أبي هريرة.
[٣] أخرجه مسلم ج ١ ص ٤٦ من حديث عمران بن حصين و البخاري ج ٨ ص ٣٥ من حديث عمران أيضا.
[٤] قال العراقي: أخرجه الطبراني من حديث فاطمة عليها السلام.
المحجة