المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٩
و قدم رجل من قريش من سفر فمرّ برجل من الأعراب على قارعة الطريق و قد أقعده الدّهر و أضر به المرض فقال له: يا هذا أعنّا على الدّهر فقال الرّجل لغلامه: ما بقي من النفقة فادفعه إليه فصبّ الغلام في حجر الأعرابي أربعة آلاف درهم فذهب ينهض فلم يقدر من الضعف فبكى فقال الرّجل: ما يبكيك لعلّك استقللت ما أعطيناك؟ قال: لا و لكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني.
و اشترى عبد اللّه بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره الّتي في السوق بتسعين ألف درهم فلمّا كان اللّيل سمع بكاء آل خالد فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ قالوا:
يبكون لدارهم، قال: يا غلام ائتهم فأعلمهم أنّ الدّار و المال لهم جميعا.
و قيل أنفذ هارون الرّشيد إلى مالك بن أنس خمسمائة دينار فبلغ ذلك اللّيث ابن سعد فأنفذ إليه ألف دينار فغضب هارون و قال: أعطيه خمسمائة و تعطيه ألفا و أنت من رعيّتي فقال: يا أمير المؤمنين إنّ لي في كلّ يوم من غلّتي ألف دينار و استحييت أن أعطي مثله أقلّ من دخل يوم، و حكي أنّه لم تجب عليه الزّكاة مع أنّ دخله كلّ يوم ألف دينار.
و روي أنّ امرأة سألت اللّيث شيئا من عسل فأمر لها بزقّ فقيل له: إنّها كانت تقنع بأقلّ من هذا، فقال: إنّها سألت على قدرها و نعطيها على قدر النعمة علينا.
و كان اللّيث بن سعد لا يتكلّم كلّ يوم حتّى يتصدّق على ثلاثمائة و ستّين مسكينا.
و قال الأعمش اشتكت شاة عندي و كان خيثمة بن أبي عبد الرّحمن يعودها بالغداة و العشيّ و يسألني هل استوفت علفها و كيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها و كان تحتي لبد أجلس عليه فإذا خرج قال: خذ ما تحت اللّبد، حتّى وصل إليّ في علّة الشاة أكثر من ثلاثمائة دينار من برّه حتّى تمنّيت أنّ الشاة لم تبرأ.
و قيل: مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه فقيل له: إنّهم يستحيون ممّا لك عليهم من الدّين فقال: أخزى اللّه مالا يمنع الإخوان من الزّيارة، ثمّ أمر مناديا ينادي من كان عليه لقيس حقّ فهو منه في حلّ قال: فكثرت درجته بالعشيّ لكثرة من زاره و عاده.
المحجة