المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٢
أبديّة إذ لا يستحيل الواجب قطّ جائزا و لا الجائز محالا و لا المحال واجبا و كلّ هذه الأقسام داخلة في معرفة اللّه تعالى و ما يجب له و ما يستحيل في صفاته و يجوز في أفعاله، فالعلم باللّه تعالى و بصفاته و أفعاله و حكمته في ملكوت السماء و الأرض و ترتيب الدّنيا و الآخرة و ما يتعلّق به هو الكمال الحقيقيّ الّذي يقرب من يتّصف به من اللّه تعالى و يبقى كمالا للنفس بعد الموت و تكون هذه المعرفة نورا للعارفين بعد الموت يسعى بين أيديهم و بأيمانهم يقولون ربّنا أتمم لنا نورنا أي تكون هذه المعرفة رأس مال يوصل إلى كشف ما لم ينكشف في الدّنيا كما أنّ من معه سراج خفيّ فإنّه يجوز أن يصير ذلك سببا لزيادة النور بسراج آخر يقتبس منه فيكمل النور بذلك النور الخفيّ على سبيل الاستتمام و من ليس معه أصل السراج فلا مطمع له في ذلك، فمن ليس معه أصل معرفة اللّه سبحانه لم يكن له مطمع في هذا النور فيبقى كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها بل كظلمات في بحر لجّي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض فإذا لا سعادة إلّا في معرفة اللّه تعالى فأمّا ما عدا ذلك من المعارف فمنها ما لا فائدة فيه أصلا كمعرفة الشعر و أنساب العرب و غيرها. و منها ما له منفعة في الإعانة على معرفة اللّه كمعرفة لغة العرب و التفسير و الفقه و الأخبار، فإنّ معرفة لغة العرب تعين على معرفة تفسير القرآن، و معرفة التفسير تعين على معرفة ما في القرآن من كيفيّة العبادات و الأعمال الّتي تفيد تزكية النفس، و معرفة طريق تزكية النفس تفيد استعداد النفس لقبول الهداية إلى معرفة اللّه تعالى كما قال اللّه عزّ و جلّ «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها» [١] و قال: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» [٢] فتكون جملة هذه المعارف كالوسائل إلى تحقيق معرفة اللّه تعالى و إنّما الكمال في معرفة اللّه و معرفة صفاته و أفعاله، و ينطوي فيه جميع المعارف المحيطة بالموجودات إذ الموجودات كلّها من أفعاله فمن عرفها من حيث هي فعل اللّه و من حيث ارتباطها بالقدرة و الإرادة و الحكمة فهي من تكملة معرفة اللّه تعالى و هذا حكم كمال العلم
[١] الشمس: ١٠.
[٢] العنكبوت: ٦٩.
المحجة