المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١
الفلاحة و الصناعة بعمي أو مرض أو هرم أو تعرض عوارض مختلفة لو ترك ضايعا لهلك و لو وكل تفقّده إلى الجميع لتخاذلوا و لو خصّ واحد من غير سبب يخصّه لا يذعن له [١] فحدثت بالضرورة من هذه العوارض الحاصلة بالاجتماع صناعات أخر فمنها صناعة المساحة الّتي بها تعرف مقادير الأرض لتمكّن القسمة بينهم بالعدل و منها صناعة الجنديّة لحراسة البلد بالسيف و دفع اللّصوص عنهم و منها صناعة الحكم و التوسّط بينهم لفصل الخصومة و منها الحاجة إلى الفقه و هو معرفة القانون الّذي ينبغي أن يضبط به الخلق و يلزموا الوقوف على حدوده حتّى لا يكثر النزاع و هو معرفة حدود اللّه في المعاملات و شروطها، فهذه أمور سياسيّة لا بدّ منها و لا يشتغل به إلّا مخصوصون بصفات مخصوصة من التمييز و العلم و الهداية و إذا اشتغلوا بها لم يتفرّغوا لصناعات أخر و يحتاجون إلى المعايش و يحتاج أهل البلد إليهم إذ لو اشتغل أهل البلد بالحرب مثلا مع الأعداء تعطّلت الصناعات و لو اشتغل أهل الحرب و السلاح بالصناعات لطلب القوت تعطّلت البلاد عن الحرّاس و استضرّ الخلق فمسّت الحاجة إلى أن يصرف إلى معايشهم و أرزاقهم الأموال الضائعة الّتي لا مالك لها إن كانت أو تصرف إليهم الغنائم إن كانت العداوة مع الكفّار، فإن كانوا أهل ديانة و ورع قنعوا بالقليل من أموال المصالح، و إن أرادوا التوسّع فتمسّ الحاجة لا محالة إلى أن يمدّهم أهل البلد بأموالهم ليمدّوهم بالحراسة فتحدث الحاجة إلى الخراج ثمّ يتولّد بسبب الحاجة إلى الخراج الحاجة إلى صناعات أخر إذ يحتاج إلى من يوظف الخراج بالعدل على الفلاّحين و أرباب الأموال و هم العمّال و إلى من يستوفي منهم بالرّفق و هم الجباة [٢] و المستخرجون و إلى من يجمع عنده ليحفظه إلى وقت التفرقة و هم الخزّان و إلى من يفرّق عليهم بالعدل و هم العارض للعساكر [٣] و هذه الأعمال لو تولّاها عدد لا يجمعهم رابط انخرم النظام، فتحدث منه الحاجة إلى ملك يدبّرهم،
[١] أذعن له: خضع و ذل و أقر و أسرع في الطاعة و انقاد.
[٢] الجباة هم الذين يجمعون الخراج من أطراف البلاد.
[٣] في القاموس عرض الجند عرض عين أمرهم عليه و نظر حالهم.
المحجة