المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٤
الدّنانير و الدّراهم أي يقدر عليهما ليتوصّل بهما إلى الأغراض و المقاصد و قضاء الشهوات و سائر حظوظ النفس فكذلك ذو الجاه هو الّذي يملك قلوب الناس أي يقدر على أن يتصرّف فيها ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه و مآربه و كما أنّه يكتسب الأموال بأنواع من الحرف و الصناعات فكذلك يكتسب قلوب الخلق بأنواع من المعاملات و لا تصير القلوب مسخّرة إلّا بالمعارف و الاعتقادات، فكلّ من اعتقد القلب فيه وصفا من أوصاف الكمال انقاد له و تسخّر له بحسب قوّة اعتقاده و بحسب درجة ذلك الكمال عنده و ليس يشترط أن يكون الوصف كمالا في نفسه بل يكفي أن يكون كمالا عنده و في اعتقاده، و قد يعتقد ما ليس كمالا كمالا و يذعن قلبه للموصوف به انقيادا ضروريّا بحسب اعتقاده فإنّ انقياد القلب حال للقلب و أحوال القلب تابعة لاعتقادات القلوب و علومها و تخيّلاتها و كما أنّ محبّ المال يطلب ملك الأرقّاء و العبيد فطالب الجاه يطلب أن يسترقّ الأحرار و يستعبدهم و يملك رقابهم بملك قلوبهم، بل الرّق الّذي يطلبه صاحب الجاه أعظم لأنّ المالك يملك العبد قهرا و العبد متأبّ بطبعه و لو خلّي و رأيه انسلّ عن الطاعة، و صاحب الجاه يطلب الطاعة طوعا و ينبغي أن تكون له الأحرار عبيدا بالطبع و الطوع مع الفرح بالعبوديّة و الطاعة له فما يطلبه طالب الجاه فوق ما يطلبه مالك الرقّ بكثير فإذا معنى الجاه قيام المنزلة في قلوب الناس أي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت الكمال فيه فبقدر ما يعتقدون من كماله تذعن له قلوبهم و بقدر إذعان القلوب تكون قدرته على أرباب القلوب و بقدر قدرته على القلوب يكون فرحه و حبّه للجاه فهذا هو معنى الجاه و حقيقته و له ثمرات كالمدح و الإطراء فإنّ المعتقد للكمال لا يسكت عن ذكر ما يعتقده فيثني عليه و كالخدمة و الإعانة فإنّه لا يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدر اعتقاده فيكون سخرة له مثل العبد في أغراضه و كالايثار و ترك المنازعة و التعظيم و التوقير بالمفاتحة بالسلام و تسليم الصدر في المحافل و التقديم في جميع المقاصد، فهذه آثار تصدر عن قيام الجاه في القلب، و معنى قيام الجاه في القلب اشتمال القلوب على اعتقاد صفات الكمال في الشخص إمّا بعلم أو عبادة أو حسن خلق أو نسب أو ولاية أو جمال في صورة أو
المحجة