المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٥
قال: [١] و الواعظ يجد في وعظه و تأثّر قلوب الناس به و تلاحق بكائهم و زعقاتهم [٢] و إقبالهم عليه لذّة لا توازيها لذّة فإذا غلب ذلك على قلبه مال طبعه إلى كلّ كلام مزخرف يروّج به عند العوام و إن كان باطلا و يفرّ عن كلّ كلام يستثقله العوام و إن كان حقّا، و يصير مصروف الهمّة بالكلّيّة إلى ما يحرّك قلوب العوام و يعظم منزلته في قلوبهم فلا يسمع حديثا و حكمة إلّا و يكون فرحه به من حيث إنّه يصلح لأن يذكره على رأس المنبر، و كان ينبغي أن يكون فرحه به من حيث إنّه عرف طريق السعادة و طريق سلوك سبيل الدّين ليعمل به أوّلا، ثمّ يقول: إذا أنعم اللّه عليّ بهذه النعمة و نفعني بهذه الحكمة فأفيضها ليشاركني في نفعها إخواني المسلمون، فهذا ممّا يعظم فيه الخوف و الفتنة فحكمه حكم الولايات، فمن لا باعث له إلّا طلب الجاه و المنزلة و الأكل بالدّين و التّفاخر و التكاثر، فينبغي أن يتركه و يخالف الهوى فيه إلى أن ترتاض نفسه و تقوى في الدّين منّته و يأمن على نفسه الفتنة فعند ذلك يعود إليه.
فإن قلت: مهما حكم بذلك على أهل العلم تعطّلت العلوم و اندرست و عمّ الجهل كافّة الخلق؟
فنقول: قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن طلب الإمارة و توعّد عليها[١]حتّى قال: «إنّكم تحرصون على الإمارة و إنّها حسرة و ندامة يوم القيامة إلّا من أخذها بحقّها، و قال: نعمت المرضعة و بئست الفاطمة»[٢]و معلوم أنّ السلطنة و الإمارة و لو تعطّلت لبطل الدّين و الدّنيا جميعا و ثار القتال بين الخلق و زال الأمن و خربت البلاد و تعطّلت المعايش فلم نهى عنها مع ذلك، فأمّا قول القائل نهيك عن ذلك
[١] أخرج مسلم و البخاري ج ٩ ص ٧٩ باسنادهما عن عبد الرحمن بن سمرة قال:
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فإنك ان أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، و ان أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ... الحديث».
[٢] أخرجه البخاري أيضا ج ٩ ص ٧٩ هكذا من حديث أبي هريرة «انكم ستحرصون على الامارة، و ستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة و بئست الفاطمة».
[١] يعنى أبا حامد.
[٢] جمع الزعقة و هي الصيحة.
المحجة