المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٢
البلاد لتكثر الرّحلة إليه، و منهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته و تنجز الحوائج على يديه فيقوم له به جاه عند العامّة، و منهم من يقصد التوصّل بذلك إلى جمع حطام و كسب مال و لو من الأوقاف و أموال اليتامى و غير ذلك من الحرام و هؤلاء شرّ طبقات المرائين الّذين يراءون بالأسباب الّتي ذكرناها. فهذه حقيقة الرّياء و ما به يقع الرّياء.
فصل فإن قلت: فالرّياء حرام؟ أو مكروه؟ أو مباح؟ أو فيه تفصيل؟. فأقول: فيه تفصيل
فإنّ الرّياء هو طلب الجاه و هو إمّا أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات فإن كان بغير العبادات فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث إنّه طلب منزلة في قلوب العباد و لكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات و أسباب محظورة فكذلك الجاه و كما أنّ كسب قليل من المال و هو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل من الجاه و هو ما يسلم به عن الآفات محمود و هو الّذي طلبه يوسف عليه السّلام حيث قال:
«إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» و كما أنّ المال فيه سمّ ناقع و ترياق نافع فكذلك الجاه و كما أنّ كثير المال يلهى و يطغى و ينسى ذكر اللّه و الدّار الآخرة فكذلك كثير الجاه بل أشدّ و فتنة الجاه أعظم من فتنة المال و كما أنّا لا نقول: تملّك المال الكثير حرام فلا نقول أيضا: تملّك القلوب الكثيرة حرام إلّا إذا حملته كثرة المال و كثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز، نعم انصراف الهمّ إلى سعة الجاه مبدأ الشرور كانصراف الهمّ إلى كثرة المال و لا يقدر محبّ الجاه و المال على ترك معاصي القلب و اللّسان و غيرها و أمّا سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه و من غير اغتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه فلا جاه أوسع من جاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من بعده من علماء الدّين و لكن انصراف الهمّ إلى طلب الجاه نقصان في الدّين و لا يوصف بالتحريم فعلى هذا نقول تحسين الثوب الّذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة و هو ليس بحرام لأنّه ليس رياء بالعبادة بل بالدّنيا و قس على هذا كلّ تجمّل للناس و تزيّن لهم و الدّليل
المحجة