المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٥
نكح و لم يجامع أو جامع و لم ينزل فهو معتوه، فكذلك من رجا رحمة اللَّه و هو لم يؤمن أو آمن و لم يعمل صالحا أو عمل و لم يترك المعاصي فهو مغرور، و كما أنّه إذا نكح و وطئ و أنزل بقي متردّدا في الولد يخاف و يرجو فضل اللَّه في خلق الولد و دفع الآفات عن الرّحم و عن الأمّ إلى أن يتمّ فهو كيّس فكذلك إذا آمن و عمل الصالحات و ترك السيّئات و بقي متردّدا بين الخوف و الرّجاء يخاف أن لا يقبل منه و أن لا يثاب عليه و أن يختم له بالسوء و يرجو من فضل اللَّه أن يثبته بالقول الثابت في الحياة الدّنيا و في الآخرة و يحفظ دينه من صواعق سكرات الموت حتّى يموت على التوحيد و يحرس قلبه عن الميل إلى الشهوات بقيّة عمره حتّى لا يميل إلى المعاصي فهو إذن كيّس، و من عدا هؤلاء فهم المغرورون باللَّه و سوف يعلمون حين يرون العذاب من أضلّ سبيلا و لتعلمنّ نبأه بعد حين، و عند ذلك يقولون كما أخبر اللَّه عنهم: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [١] أي علمنا أنّه كما لا يولد ولد إلّا بوقاع و نكاح، و لا ينبت زرع إلّا بحراثة و بثّ بذر، فكذلك لا يحصل في الآخرة ثواب و أجر إلّا بعمل صالح، فارجعنا نعمل صالحا فقد علمنا الآن صدقك في قولك: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى [٢] و كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ [٣] أي ألم نسمعكم سنّة اللَّه في عباده و أنّه «تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ»*؟
و أنّ «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» فما الّذي غرّكم باللَّه بعد أن سمعتم و عقلتم؟
قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ [٤].
فإن قلت: فأين مظنّة الرّجاء و موضعه المحمود؟ فاعلم أنّه محمود في موضعين: أحدهما في حقّ العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة فقال له الشيطان: و أنّى تقبل توبتك؟ فيقنطه من رحمة اللَّه فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء و يتذكّر
[١] السجدة: ١٢.
[٢] النجم: ٤٠.
[٣] الملك: ٨.
[٤] الملك: ١٠.
المحجة