المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٢
الصنف الثاني أرباب العبادة و العمل و المغرورون منهم فرق كثيرة.
فمنهم من غروره في الصّلاة
و منهم في تلاوة القرآن و منهم في الحجّ و منهم في الصوم و منهم في الغزو و منهم في الزّهد و كذلك كلّ مشغول بمنهج من مناهج العمل فليس خاليا من غرور إلّا الأكياس و قليل ما هم، و منهم فرقة أهملوا الفرائض و اشتغلوا بالفضائل و النوافل و ربّما تعمّقوا في الفضائل حتّى خرجوا إلى العدوان و السرف كالّذي تغلب عليه الوسوسة في الوضوء فيبالغ فيه و لا يرتضي الماء المحكوم بطهارته في فتوى الشرع و يقدّر الاحتمالات البعيدة قريبة في النجاسة و إذا آل الأمر إلى الأكل الحلال قدّر الاحتمالات القريبة بعيدة و ربما أكل الحرام المحض، و لو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام لكان أشبه بسيرة الصحابة، ثمّ من هؤلاء من يخرج إلى الإسراف في صبّه الماء و ذلك منهيّ عنه [١]، و قد يطول الأمر حتّى يضيّع الصلاة و يخرجها عن وقتها و إن لم يخرجها عن وقتها أيضا فهو مغرور لما فاته من فضيلة أوّل الوقت و إن لم يفته فهو مغرور لإسرافه في الماء و إن لم يسرف فهو مغرور لتضييعه العمر الّذي هو أعزّ الأشياء فيما له مندوحة إلّا أنّ الشيطان يصدّ الخلق عن اللَّه بطرق شتّى و لا يقدر على صدّ العباد إلّا بما يخيّل إليهم أنّه عبادة فيبعّدهم عن اللَّه بمثل ذلك.
و فرقة أخرى غلبت عليها الوسوسة في نيّة الصلاة
فلا يدعه الشيطان حتّى يعقد نيّته صحيحة بل يشوّش عليه حتّى تفوته الجماعة و يخرج الصلاة عن الوقت و إن تمّ تكبيره فيكون في قلبه بعد تردّد في صحّة نيّته و قد يوسوسون في التكبير حتّى قد يغيّرون صيغة التكبير لشدّة الاحتياط فيه يفعلون ذلك في أوّل الصلاة، ثمّ يغفلون في جميع الصلاة و لا يحضرون قلوبهم و يغترّون بذلك و يظنّون أنّهم إذا أتعبوا أنفسهم في تصحيح النيّة في أوّل الصلاة و تميّزوا عن العامّة بهذا الجهد و الاحتياط فهم على خير عند ربّهم.
و فرقة أخرى تغلب عليها الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة
و سائر الأذكار من مخارجها، فلا يزال يحتاط في التشديدات و الفرق بين الضاد و الظاء و تصحيح
[١] راجع سنن ابن ماجه رقم ٤٢١.
المحجة