المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٨
بما ليس إليه و إن كان يعجب به من حيث هو منه و إليه و باختياره حصل و بقدرته و قوّته تمّ، فينبغي أن يتأمّل في قدرته و إرادته و أعضائه و سائر الأسباب الّتي بها تمّ عمله أنّها من أين كانت له، فإن كان علم أنّ جميع ذلك نعمة من اللَّه عليه من غير حقّ سبق له و من غير وسيلة يدلي بها فينبغي أن يكون إعجابه بجود اللَّه تعالى و كرمه و فضله إذ أفاض عليه ما لا يستحقّه و آثره به على غيره من غير سابقة و وسيلة فمهما برز الملك لغلمانه و نظر إليهم و خلع من جملتهم على واحد منهم لا لصفة فيه و لا لوسيلة و لا لجمال و لا لخدمة فينبغي أن يتعجّب المنعم عليه من فضل الملك و حكمه و إيثاره له من غير استحقاق فإعجابه بنفسه من أين و ما سببه و لا ينبغي أن يعجب هو بنفسه نعم يجوز أن يعجب العبد فيقول الملك حكم عدل لا يظلم و لا يقدّم و لا يؤخّر إلّا لسبب فلو لا أنّه تفطن في صفة من الصفات المحمودة الباطنة لما اقتضى الإيثار بالخلعة لما آثرني بها فيقال: و تلك الصفة هي أيضا من خلعة الملك و عطيته الّتي خصّصك بها من غيرك من غير وسيلة أو هي عطيّة غيره، فإن كانت من عطيّة الملك أيضا لم يكن لك أن تعجب بها بل كان كما لو أعطاك فرسا فلم تعجب به فأعطاك غلاما فصرت تعجب به و تقول إنّما أعطاني غلاما لأنّي صاحب فرس و أمّا غيري فلا فرس له، فيقال: و هو الّذي أعطاك الفرس، فلا فرق بين أنّ يعطيك الفرس و الغلام معا أو يعطي أحدهما بعد الآخر، فإذا كان الكلّ منه فينبغي أن يعجبك جوده و فضله لا نفسك، و أمّا إن كانت تلك الصفة من غيره فلا يبعد أن تعجب بتلك الصفة و هذا يتصوّر في حقّ الملوك و لا يتصوّر في حقّ الجبّار ملك الملوك، المنفرد باختراع الجميع، المتفرّد بإيجاد الموصوف و الصفة، فإنّك إن أعجبت بعبادتك و قلت وفّقني للعبادة لحبّي له فيقال: و من خلق الحبّ في قلبك؟ فستقول: هو، فيقال:
فالحبّ و العبادة كلاهما نعمتان من عنده ابتدأك بهما من غير استحقاق من جهتك إذ لا وسيلة لك و لا علاقة فيكون الإعجاب بجوده إذ أنعم بوجودك و وجود صفاتك و بوجود أعمالك و أسباب أعمالك فإذا لا معنى لعجب العابد بعبادته، و عجب العالم بعلمه، و عجب الجميل بجماله، و عجب الغنيّ بغناه لأنّ كلّ ذلك من فضل اللَّه
المحجة