المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٩
كشف عنهم الغطاء و عرضوا على القاضي الأكبر الّذي لا ينظر إلى الزّيّ و المرقّع بل إلى سرّ القلب.
و فرقة أخرى زادت على هؤلاء في الغرور
إذ شقّ عليها الاقتداء بهم في بذاذة الثياب و الرّضا بالدّون و أرادت أن تتظاهر بالتصوّف و لم تجد بدّا من التزيّي بزيّهم فتركت الخزّ و الإبريسم و طلبت المرقّعات النفيسة و الفوط الرّقيقة و السجّادات المصبغة و لبست من الثياب ما هو أرفع قيمة من الخزّ و الإبريسم، فظنّ أحدهم مع ذلك أنّه متصوّف بمجرّد لون الثوب و كونه مرقّعا و نسي أنّهم إنّما لوّنوا الثياب لئلاّ يطول عليهم غسلها كلّ ساعة لإزالة الوسخ. و إنّما لبسوا المرقّع إذ كانت ثيابهم مخرقة و كانوا يرقّعونها و لا يلبسون الجديد، فأمّا تقطيع الفوط الرّقيقة قطعة قطعة و خياطة المرقّعات منها فمن أين يشبه ما اعتادوه فهؤلاء أظهر حماقة من كافّة المغرورين فإنّهم يتنعّمون بنفيس الثياب و لذيذ الأطعمة، و يطلبون رغد العيش، و يأكلون أموال السلاطين، و لا يجتنبون المعاصي الظّاهرة فضلا عن الباطنة، و هم مع ذلك يظنّون بأنفسهم الخير. و شرّ هؤلاء ممّا يتعدّى إلى الخلق إذ يهلك من يقتدي بهم و من لا يقتدي بهم تفسد عقيدته في أهل التّصوّف كافّة إذ يظنّ أنّ جميعهم كانوا من جنسه فيطيل اللّسان في الصادقين منهم و كلّ ذلك من شؤم المتشبّهين و شرّهم.
و فرقة أخرى ادّعت علم المعرفة
و مشاهدة الحقّ و مجاوزة المقامات المحمودة و الأحوال و الملازمة في عين الشهود و الوصول إلى القرب و لا يعرف هذه الأمور إلّا بالأسامى و الألفاظ لأنّه تلقّف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يردّدها و يظنّ أنّ ذلك أعلى من علم الأوّلين و الآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء و المفسّرين و المحدّثين و أصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام، حتّى أنّ الفلاّح ليترك فلاحته و الحائك يترك حياكته و يلازمهم أيّاما معدودة و يتلقّف منهم تلك الكلمات المزيّفة فهو يردّدها كأنّه يتكلّم عن الوحي، و يخبر عن سرّ الأسرار و يستحقر بذلك جميع العبّاد و العلماء فيقول في العبّاد: إنّهم أجراء متعبون، و يقول في العلماء:
المحجة