المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٥
من غير تفقّد للقلب و امتحان للنفس و تفتيش عن خدعها؟
(بيان ما ينبغي للمريد أن يلزم قلبه قبل العمل و بعده و فيه)
اعلم أنّ أولى ما يلزم المريد قلبه في ساير أوقاته القناعة بعلم اللّه في جميع طاعاته، و لا يقنع بعلم اللّه إلّا من لا يخاف إلّا اللّه و لا يرجو إلّا اللّه، فأمّا من خاف غيره و ارتجاه اشتهى اطّلاعه على محاسن أحواله، فإن كان في هذه الرّتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل و الإيمان لما فيه من خطر التعرّض للمقت و ليراقب قلبه عند الطاعات العظيمة الشاقّة الّتي لا يقدر عليها غيره فإنّ النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء و تقول: مثل هذا العمل العظيم أو الخوف العظيم أو البكاء العظيم لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك فما في الخلق من يقدر على مثله فكيف ترضى بإخفائه فيجهل الناس محلّك، و ينكرون قدرك، و يحرمون الاقتداء بك؟ ففي مثل هذا الأمر ينبغي أن يثبت قدمه و يتذكّر في مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرة و نعيم الجنّة و دوامها أبد الآباد و عظم غضب اللّه و مقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده، و يعلم أنّ إظهاره لغيره محبّب إليه و سقوط عند اللّه و إحباط للعمل العظيم، فيقول: و كيف أبيع هذا العمل بحمد الخلق و هم عاجزون لا يقدرون لي على رزق و لا أجل، فيلزم ذلك قلبه و لا ينبغي أن ييأس عنه فيقول:
إنّما يقدر على الإخلاص الأقوياء فأمّا المخلطون فليس ذلك من شأنهم فيترك المجاهدة في الإخلاص، لأنّ المخلط إلى ذلك أحوج من المتّقي، لأنّ المتّقي إن فسدت نوافله بقيت فرائضه كاملة تامّة، و المخلط لا تخلو فرائضه عن النقصان و الحاجة إلى الجبران بالنوافل فإن لم تسلم صار مأخوذا بالفرائض و هلك به، فالمخلط إلى الإخلاص أحوج، و قد روى تميم الدّاريّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال:
«يحاسب العبد يوم القيامة فإن نقص فرضه قيل: انظروا هل له من تطوّع، فإن كان له تطوّع أكمل به فرضه، و إن لم يكن له تطوّع أخذ بطرفيه فالقي في النار» [١] فيأتي المخلط يوم القيامة و فرضه ناقص و عليه ذنوب كثيرة، فاجتهاده في
[١] أخرجه أبو داود ج ١ ص ٢٠٠ و ابن ماجه تحت رقم ١٤٢٥ مع اختلاف يسير.
المحجة