المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦
في الموتى كأنّه قد كان ثمّ صلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ دعا لي بدعوات خفيّات ثمّ قال:
هذه وصيّتي إليك يا هرم بن حيّان كتاب اللّه و نهج الصالحين المؤمنين فقد نعيت إليّ نفسي و نفسك عليك بذكر الموت لا يفارق قلبك طرفة عين ما بقيت و أنذر قومك إذا رجعت إليهم و أنصح للامّة جميعا و إيّاك أن تفارق الجماعة قيد شبر فيفارقك دينك و أنت لا تعلم فتدخل النّار يوم القيمة ادع لي و لنفسك ثمّ قال: اللّهمّ إنّ هذا يزعم أنّه يحبّني فيك و زارني من أجلك فعرّفني وجهه في الجنّة، و أدخله عليّ في دارك دار السلام، و احفظه ما دام في الدّنيا حيّا حيثما كان و ضمّ عليه ضيعته و أرضه من الدّنيا باليسير و ما أعطيته من الدّنيا فيسّره له تيسيرا و اجعله لما أعطيته من نعمائك من الشاكرين و اجزه عنّي خير الجزاء، ثمّ قال: أستودعك اللّه يا هرم بن حيّان و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، لا أراك بعد اليوم رحمك اللّه لا تطلبني فإنّي اكره الشهرة و الوحدة أحبّ إليّ، إنّي كثير الهمّ شديد الغمّ مع هؤلاء الناس ما دمت حيّا فلا تسأل عنّي و لا تطلبني و اعلم أنّك منّي على بال و إن لم أرك و لم ترني فاذكرني و ادع لي فإنّي سأذكرك و أدعو لك إن شاء اللّه انطلق أنت هاهنا حتّى أنطلق أنا هاهنا، فحرصت أن أمشي معه ساعة فأبى عليّ و فارقته فبكى و أبكاني و جعلت أنظر في قفاه حتّى دخل بعض السكك، ثمّ سألت عنه بعد ذلك فما وجدت أحدا يخبرني عنه بشيء رحمه اللّه و غفر له [١].
فهكذا كانت سيرة أبناء الآخرة المعرضين عن الدّنيا و قد عرفت ممّا سبق في بيان ذمّ الدّنيا و من سيرة الأنبياء و الأولياء أنّ حدّ الدّنيا كلّ ما أظلّته الخضراء و أقلّته الغبراء إلّا ما كان للَّه عزّ و جلّ من ذلك، و ضدّ الدّنيا الآخرة و هو كلّ ما أريد به اللّه عزّ و جلّ ممّا يؤخذ بقدر الضرورة من الدّنيا لأجل قوّة طاعة اللّه عزّ و جلّ فذلك ليس من الدّنيا، و يتبيّن هذا بمثال: و هو أنّ الحاجّ إذا حلف أنّه في طريق الحجّ لا يشتغل بغير الحجّ بل يتجرّد له ثمّ اشتغل بحفظ الزاد و علف الجمل و خرز الرّاوية و كلّ ما لا بدّ للحجّ منه لم يحنث في يمينه و لم يكن مشغولا بغير الحجّ،
[١] هذا الكلام بطوله قصة خرافية نسجها بعض الصوفية.
المحجة