المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١
إذا أخذه العبد من الدّنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدّنيا و كانت الدّنيا في حقّه مزرعة الآخرة، و إن أخذ ذلك على قصد التنعّم و لحظّ النّفس صار من أبناء الدّنيا و الرّاغبين في حظوظها إلّا أنّ الرّغبة في حظوظ الدّنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب اللّه في الآخرة و يسمّى ذلك حراما و إلى ما يحول بينه و بين الدّرجات العلى و يعرضه لطول الحساب، و يسمّى ذلك حلالا، و البصير يعلم أنّ طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب «فمن نوقش في الحساب عذّب» [١] فلذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «حلالها حساب و حرامها عذاب»[١]و قد قال أيضا:
«حلالها عذاب» إلّا أنّه عذاب أخفّ من عذاب الحرام لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدّرجات العلى في الجنّة و ما يرد على القلب من التحسّر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها هو أيضا عذاب و قس به حالك في الدّنيا إذا نظرت إلى أقرانك و قد سبقوك بسعادات دنياويّة كيف يتقطّع قلبك عليها حسرات مع علمك بأنّها سعادات منصرمة [٢] لا بقاء لها، و منغّصة بكدورات لا صفاء لها، فما حالك في فوات سعادات لا يحيط الوصف بعظمتها و تنقطع الأزمان و الدّهور دون غايتها، و كلّ من تنعّم في الدّنيا و لو بسماع صوت من طائر أو بالنظر إلى خضرة أو شربة ماء بارد فهو ينقص من حظّه في الآخرة أضعافه، و التعرّض لجواب السّؤال فيه ذلّ و خوف و خطر و مشقّة و انتظار و كلّ ذلك من نقصان الحظّ، فالدّنيا قليلها و كثيرها حلالها و حرامها ملعونة إلّا ما أعان على تقوى اللّه فإنّ ذلك القدر ليس من الدّنيا، و كلّ من كانت معرفته أقوى و أتقن كان حذره من نعيم الدّنيا أشدّ، حتّى أنّ عيسى عليه السّلام وضع رأسه على حجر لمّا نام ثمّ رمى به إذ تمثّل له إبليس و قال:
[١] أخرجه ابن أبي الدنيا و البيهقي في شعب الايمان من طريقه موقوفا على على ابن أبي طالب عليه السّلام بإسناد منقطع و فيه «و مرامها النار» و قال العراقي لم أجده مرفوعا.
أقول: أورده الشريف الرضي في النهج تحت رقم ٧٩ من خطبه عليه السّلام هكذا «في حلالها حساب و في حرامها عقاب».
[١] أخرجه البخاري ج ٨ ص ١٣٩، و مسلم ج ٨ ص ١٦٤ باب إثبات الحساب.
[٢] اى منقطعة.
المحجة