المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨
«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ» [١] و هذا من الانس «وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ» و هذا من الجواهر و المعادن و فيه تنبيه على غيرها من اللآلي و اليواقيت «وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ» و هي البهائم و الحيوانات «وَ الْحَرْثِ» و هو النبات و الزرع فهذه هي أعيان الدّنيا إلّا أنّ لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب و هو حبّه لها و حظّه منها و انصراف همّه إليها حتّى يصير قلبه كالعبد أو المحبّ المستهتر بالدّنيا و يدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلّقة بالدّنيا كالكبر و الغلّ و الحسد و الرّياء و السمعة و سوء الظنّ و المداهنة و حبّ الثناء و حبّ التكاثر و التفاخر فهذه هي الدّنيا الباطنة، و أمّا الظاهرة فهي الأعيان الّتي ذكرناها. و العلاقة الثانية مع البدن و هو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان ليصلح لحظوظه و حظوظ غيره و هي جملة الصناعات و الحرف الّتي الخلق مشغولون بها و الخلق إنّما نسوا أنفسهم و مآبهم و منقلبهم لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحبّ و علاقة البدن بالشغل و لو عرف نفسه و عرف ربّه و عرف حكمة الدّنيا و سرّها علم أنّ هذه الأعيان الّتي سمّيناها دنيا لم تخلق إلّا لعلف الدّابة الّتي تسير بها إلى اللّه تعالى و أعني بالدّابة البدن فإنّه لا يبقى إلّا بمطعم و مشرب و ملبس و مسكن، كما لا يبقى الإبل في طريق الحجّ إلّا بعلف و ماء و جلال، و مثال العبد في نسيانه نفسه و مقصده مثال الحاجّ الّذي يقف في منازل الطريق و لا يزال يعلف الناقة و يتعهّدها و ينظّفها و يكسوها ألوان الثياب و يحمل إليها أنواع الحشيش و يبرّد لها الماء بالثلج حتّى تفوته القافلة و هو غافل عن الحجّ و عن مرور القافلة و عن بقائه في البادية فريسة للسباع هو و ناقته، و الحاج البصير لا يهمّه من أمر الجمل إلّا القدر الّذي يقوى به على المشي فيتعهّده و قلبه إلى الكعبة و الحجّ و إنّما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة، فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشتغل بتعهّد البدن إلّا بالضرورة كما لا يدخل بيت الماء إلّا للضرورة و لا فرق بين إدخال الطعام في البطن و بين إخراجه من البطن، و أكثر ما شغل الناس عن اللّه هو البطن فإنّ القوت ضروريّ، و أمر الملبس و المسكن أهون و لو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور
[١] آل عمران: ١٤.
المحجة