المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٩
فإن قلت: فالشيطان إذا كان لا تؤمن نزغاته فهل يجب الترصّد له قبل حضوره للحذر منه انتظارا لوروده أم يجب التوكّل على اللّه ليكون هو الدّافع له، أو يجب الاشتغال بالعبادة و الغفلة عنه؟
قلنا: اختلف الناس فيه على ثلاثة أوجه: فذهبت فرقة من أهل البصرة إلى أنّ الأقوياء قد استغنوا عن الحذر من الشيطان لأنّهم انقطعوا إلى اللّه و اشتغلوا بحبّه و اعتزلهم الشيطان، فآيس منهم و خنس عنهم كما آيس من ضعفاء العباد في الدّعوة إلى الخمر و الزّنى فصارت ملاذّ الدّنيا و إن كانت مباحة كالخمر و الخنزير عندهم، و إذ خلوا من حبّها بالكلّيّة لم يبق للشيطان إليهم سبيل فلا حاجة بهم إلى الحذر، و ذهبت فرقة من أهل الشام إلى أنّ الترصّد للحذر منه إنّما يحتاج إليه من قلّ يقينه و نقص توكّله فمن أيقن بأن لا شريك للَّه في تدبيره فلا يحذر غيره و يعلم أنّ الشيطان ذليل مخلوق ليس له أمر و لا يكون إلّا ما أراده اللّه تعالى فهو الضارّ و النافع، و العارف يستحيي منه أن يحذر غيره، فاليقين بالوحدانيّة يغنيه عن الحذر، و قالت فرقة من أهل العلم: لا بدّ من الحذر من الشيطان و ما ذكره البصريّون من أنّ الأقوياء قد استغنوا عن الحذر و خلت قلوبهم عن حبّ الدّنيا بالكلّيّة و هو وسيلة للشيطان، يكاد يكون غرورا إذ الأنبياء عليهم السّلام لم يتخلّصوا من وساوس الشيطان و نزغاته [١] فكيف يتخلّص غيرهم و ليس كلّ وسواس الشيطان من الشهوات و حبّ الدّنيا بل في صفات اللّه و أسمائه و في تحسين البدع و الضلال و غيره، و لا ينجو أحد من الخطر فيه، و القرآن من أوّله إلى آخره تحذير من الشيطان فكيف يدعى الأمن منه، و أخذ الحذر منه حيث أمر اللّه تعالى به لا ينافي الاشتغال بحبّ اللّه تعالى فإنّ من الحبّ له امتثال أمره و قد أمرنا بالحذر من العدوّ كما أمرنا بالحذر من الكفّار، فقال تعالى: وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ [٢] و قال تعالى:
وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ [٣]
[١] لو لا عصمهم اللّه سبحانه.
[٢] النساء: ١٠٣.
[٣] الانفال: ٦٣.
المحجة