المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٣
المعاصي و إلى التلف و البوار مصيره، فرح الهالك برجائه فلم تبق له دنياه و لم يسلم له دينه، خسر الدّنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين، فيا لها من مصيبة ما أفظعها، و رزيّة ما أجلّها، ألا فراقبوا اللّه إخواني و لا يغرّنّكم الشيطان و أولياؤه من الإنس بالحجج الدّاحضة عند اللّه، فإنّهم يتكالبون على الدّنيا، ثمّ يطلبون لأنفسهم المعاذير و الحجج و يزعمون أنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانت لهم أموال فيتزيّن المغرورون بذكر الصحابة ليعذرهم الناس على جمع المال و لقد دهاهم الشيطان و ما يشعرون، ويحك أيّها المفتون متى زعمت أنّ جمع المال الحلال أعلى و أفضل من تركه فقد ازدريت محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المرسلين و نسبتهم إلى قلّة الرّغبة و الزّهد في هذا الخير الّذي رغبت فيه أنت و أصحابك من جمع المال، و نسبتهم إلى الجهل إذ لم يجمعوا المال كما جمعت، و متى زعمت أنّ جمع المال الحلال أعلى من تركه فقد زعمت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم ينصح للامّة إذ نهاهم عن جمع المال الحلال، و قد علم أنّ جمع المال خير للامّة فقد غشّهم بزعمك حين نهاهم عنه كذبت و ربّ السماء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقد كان للامّة ناصحا و عليهم مشفقا و بهم رءوفا، و متى زعمت أنّ جمع المال خير لهم، أو زعمت أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يعلم أنّ الفضل في الجمع فلذلك نهاهم عنه و أنت عليم بما في المال من الخير و الفضل و لذلك رغبت في الاستكثار كأنّك أعلم بمواضع الفضل و الخير من ربّك تعالى اللّه عن جهلك، أيّها المفتون تدبّر ما دهاك به الشيطان حين زيّن لك الاحتجاج بمال الصحابة ويحك و ما ينفعك الاحتجاج بمال عبد الرّحمن بن عوف فلعلّ ودّ ابن عوف في القيامة أنّه لم يؤت من الدّنيا إلّا قوتا و لقد بلغني أنّه لمّا توفي عبد الرّحمن بن عوف [١] قال أناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّا نخاف على عبد الرّحمن فيما ترك فقال كعب: سبحان اللّه و ما تخافون على عبد الرّحمن كسب طيّبا و أنفق طيّبا و ترك طيّبا، فبلغ ذلك أبا ذرّ- رضي اللّه عنه- فخرج مغضبا يريد كعبا فمرّ بعظم لحى بعير فأخذه بيده ثمّ انطلق يطلب كعبا فقيل لكعب: إنّ أبا ذرّ يطلبك فخرج هاربا
[١] راجع مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٢٣٩.
المحجة