المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢
رغبت في الدّنيا. و حتّى أنّ سليمان عليه السّلام في ملكه كان يطعم الناس من لذائذ الأطعمة و هو يأكل خبز الشّعير فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتهانا و شدّة فإنّ الصبر عن لذيذ الأطعمة مع وجودها أشدّ، و لهذا زوي اللّه تعالى الدّنيا عن نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكان يطوي أيّاما و كان يشدّ الحجر على بطنه من الجوع [١] و لهذا سلّط اللّه البلاء و المحن على الأنبياء و الأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل كلّ ذلك نظرا لهم و امتنانا عليهم ليتوفّر من الآخرة حظّهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه و يلزمه ألم الفصد و الحجامة شفقة عليه و حبّا له لا بخلا عليه، و قد عرفت بهذا أنّ كلّ ما ليس للَّه فهو من الدّنيا و ما هو للَّه فليس من الدّنيا.
فإن قلت: فما الّذي هو للَّه؟ فأقول الأشياء ثلاثة أقسام: منها ما لا يتصوّر أن يكون للَّه و هو الّذي يعبّر عنه بالمعاصي و المحظورات و أنواع التنعّمات في المباحات و هي الدّنيا المحضة المذمومة، فهي الدّنيا صورة و معنى، و منها ما صورته للَّه و يمكن أن يجعل لغير اللّه و هو ثلاثة الفكر و الذّكر و الكفّ عن الشهوات، فهذه الثلاثة إذا جرت سرّا و لم يكن عليها باعث سوى أمر اللّه و اليوم الآخر فهي للَّه و ليست من الدّنيا، و إن كان الغرض من الفكر طلب العلم للتشرّف به و طلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحّة البدن أو الاشتهار بالزّهد، فقد صار هذا من الدّنيا بالمعنى و إن كان يظنّ بصورته أنّه للَّه، و منها ما صورته لحظّ النّفس و يمكن أن يجعل معناه للَّه و ذلك كالأكل و النكاح و كلّ ما يرتبط به بقاؤه و بقاء ولده فإن كان القصد حظّ النفس فهو من الدّنيا و إن كان القصد الاستعانة به على التقوى فهو للَّه بمعناه و إن كانت صورته صورة الدّنيا، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من طلب الدّنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقى اللّه و هو عليه غضبان، و من طلبها استعفافا عن المسئلة و صيانة لنفسه جاء يوم القيامة و وجهه كالقمر ليلة البدر» [٢] فانظر كيف اختلف ذلك بالقصد فإذا الدّنيا حظّ نفسك العاجل الّذي
[١] راجع الترغيب و الترهيب ج ٤ ص ١٩٥ باب عيش النبي صلّى اللّه عليه و آله.
[٢] أخرجه أبو نعيم في الحلية و البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بسند ضعيف كما في المغني.
المحجة