المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٧
من التجبّر فلا أفعله؟ فأطرق أبو عبد اللّه عليه السّلام [١] ثمّ قال: «إنّما الجبّار الملعون من غمص الناس و جهل الحقّ» قال عمر: فقلت: أمّا الحقّ فلا أجهله و الغمص لا أدري ما هو؟ قال: «من حقّر الناس و تجبّر عليهم فذلك الجبّار» [٢].
و عنه عليه السّلام قال: «إنّ يوسف عليه السّلام لمّا قدم عليه الشيخ يعقوب عليه السّلام دخله عزّ الملك فلم ينزل إليه فهبط عليه جبرئيل فقال: يا يوسف أبسط راحتك [٣] فخرج منها نور ساطع فصار في جوّ السّماء فقال يوسف: يا جبرئيل ما هذا النور الّذي خرج من راحتي؟ قال: نزعت النبوّة من عقبك عقوبة لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبيّ»[١].
و عنه عليه السّلام قال: «ما من عبد إلّا و في رأسه حكمة [٤] و ملك يمسكها فإذا تكبّر قال له: اتّضع وضعك اللّه، فلا يزال أعظم الناس في نفسه و هو أصغر الناس في أعين النّاس، فإذا تواضع رفعها اللّه ثمّ قال له: انتعش نعشك اللّه [٥] فلا يزال أصغر الناس في نفسه و أرفع الناس في أعين الناس» [٦].
و عنه عليه السّلام قال: «ما من أحد يتيه [٧] إلّا من ذلّة يجدها في نفسه» و في لفظ
[١] الكافي ج ٢ ص ٣١١ تحت رقم ١٥. و النزول اما عن الدابة او عن السرير و كلاهما مرويان و ينبغي حمله على أن ما دخله لم يكن تكبرا و تحقيرا لوالده لكون الأنبياء منزهين عن أمثال ذلك، بل راعى فيه المصلحة لحفظ عزّته عند عامّة الناس لتمكنه من سياسة الخلق و ترويج الدين إذ كان نزول الملك عندهم لغيره موجبا لذله و كان رعاية الادب للأب مع نبوّته و مقاساة الشدائد لحبّه أهم و أولى من رعاية تلك المصلحة، فكان هذا منه عليه السّلام تركا للأولى، فلذا عوتب عليه و خرج نور النبوة من صلبه، لانّهم لرفعة شأنهم و علو درجتهم يعاتبون بأدنى شيء، فهذا كان شبيها بالتكبر و لم يكن تكبرا، و قوله: «فصار إلى جو السماء» أي استقر هناك أو ارتفع إلى السماء. قاله العلامة المجلسي- رحمه اللّه- في مرآة العقول.
[١] لعل اطراقه و سكوته عليه السّلام للاشعار بأنها في محل الخطر و ملتزمة للتكبر.
[٢] الكافي ج ٢ ص ٣١١ تحت رقم ١٣.
[٣] الراحة باطن الكفّ.
[٤] الحكمة- محركة-: اللجام او ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه و فيها العذران.
[٥] اى ارتفع رفعك اللّه و الامر فيه و في «اتضع» تكويني او تشريعى.
[٦] الكافي ج ٢ ص ٣١٢ تحت رقم ١٦.
[٧] اى ما يتكبر.
المحجة