المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٣
فكيف يترك ما عند اللّه برجاء كاذب و وهم فاسد، قد يصيب و يخطئ و إذا أصاب فلا تفي لذّته بألم منّته و مذلّته و أمّا ذمّهم فلم يحذر منه و لا يزيده ذمّهم شيئا ما لم يكتبه اللّه عليه، و لا يعجل أجله و لا يؤخّر رزقه و لا يجعله من أهل النّار إن كان من أهل الجنّة، و لا يبغّضه إلى اللّه إن كان محمودا عند اللّه، و لا يزيده مقتا إن كان ممقوتا عند اللّه، فالعباد كلّهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرّا و لا نفعا و لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا، فإذا قرّر في قلبه آفة هذه الأسباب و ضررها فترت رغبته و أقبل على اللّه قلبه، فإنّ العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره و يقلّ نفعه و يكفيه أنّ الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرّياء و إظهار الإخلاص لمقتوه و سيكشف اللّه عن سرّه حتّى يبغّضه إلى الناس و يعرّفهم أنّه مرائي و ممقوت عند اللّه، و لو أخلص للَّه لكشف اللّه لهم إخلاصه و حبّبه إليهم و سخّرهم له و أطلق ألسنتهم بحمده و الثناء عليه، مع أنّه لا كمال في مدحهم و لا نقصان في ذمّهم كما قال شاعر من بني تميم: إنّ مدحي زين و إنّ ذمّي شين، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كذبت ذلك اللّه الّذي لا إله إلّا هو»[١]إذ لا زين إلّا في مدحه و لا شين إلّا في ذمّه فأي خير لك في مدح الناس و أنت عند اللّه مذموم و من أهل النار، و أيّ شرّ لك من ذمّ الناس و أنت عند اللّه محمود و في زمرة المقرّبين، فمن أحضر في قلبه الآخرة و نعيمها المؤبّد و المنازل الرّفيعة عند اللّه تعالى استحقر ما يتعلّق بالخلق أيّام الحياة مع ما فيه من الكدورات و المنّة و المنغّصات و اجتمع همّه و انصرف إلى اللّه قلبه و تخلّص من مذلّة الرّياء و مقاساة قلوب الخلق و انعطف من إخلاصه أنوار على قلبه ينشرح بها صدره، و ينفتح بها له من لطائف المكاشفات ما يزيد به انسه باللّه و وحشته للخلق و استحقاره للدّنيا و استعظامه للآخرة و سقط محلّ الخلق من قلبه و انحلّ عنه داعية الرّياء و تذلّل له منهج الإخلاص فهذا و ما قدّمناه في الشطر الأوّل هي الأودية العلمية القالعة مغارس الرّياء.
[١] أخرجه أحمد ج ٣ ص ٤٨٨ من حديث الاقرع بن حابس و هو قائل ذلك القول، و قال العراقي: رجاله ثقات الا أنه رواه عن الاقرع أبو سلمة بن عبد الرّحمن و لا اعرف له سماعا عن الاقرع. و رواه الترمذي من حديث البراء و حسنه بلفظ «فقال رجل: ان حمدى».
المحجة