المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧
فكذلك البدن مركب النفس يقطع به مسافة العمر فتعهّد البدن بما تبقى به قوّته على سلوك الطريق بالعلم و العمل هو من الآخرة لا من الدّنيا، نعم إذا قصد تلذّذ البدن و تنعّمه بشيء من هذه الأسباب كان منحرفا عن الآخرة و يخشى على قلبه القسوة.
قال الطنافسي: كنت على باب بني شيبة في المسجد الحرام سبعة أيّام طاويا فسمعت في اللّيلة الثامنة مناديا و أنا بين اليقظة و النوم- يقول: ألا إنّ من أخذ من الدّنيا أكثر ممّا يحتاج إليه أعمى اللّه عين قلبه، فهذا بيان حقيقة الدّنيا.
(بيان ماهيّة الدنيا في نفسها) (و اشغالها الّتي استغرقت همم الخلق حتى أنستهم أنفسهم) (و خالقهم و موردهم و مصدرهم)
اعلم أنّ الدّنيا عبارة عن أعيان موجودة و للانسان فيها حظّ و له في إصلاحها شغل فهذه ثلاثة أمور قد يظنّ أنّ الدّنيا عبارة عن آحادها و ليس كذلك أمّا الأعيان الموجودة الّتي الدّنيا عبارة عنها فهي الأرض و ما عليها، قال اللّه تعالى: «إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [١] فالأرض فراش للآدميّين و مهاد و مسكن و مستقرّ، و ما عليها لهم ملبس و مطعم و مشرب و منكح، و يجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام المعادن و النبات و الحيوان، و أمّا المعادن فيطلبها الآدميّ للآلات و الأواني كالنحاس و الرصاص و للنقد كالذّهب و الفضّة و لغير ذلك من المقاصد، و امّا النبات فيطلبها الآدميّ للاقتيات و للتداوي، و أمّا الحيوان فينقسم إلى الإنسان و البهائم، أمّا البهائم فيطلب لحومها للمأكل و ظهورها للمركب و الزّينة، و أمّا الإنسان فقد يطلب الآدميّ أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم و يستسخرهم كالغلمان او ليتمتّع بهم كالجواري و النّسوان و يطلب قلوب الناس ليملكها فيغرس فيها التعظيم و الإكرام و هو الّذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميّين فهذه هي الأعيان الّتي يعبّر عنها بالدّنيا و قد جمعها اللّه تعالى في قوله
[١] الكهف: ٧.
المحجة