المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٦
فبأيّ شيء تسخّيتم عليه؟ قالوا لها: فما السخاء عندك يرحمك اللّه؟ قالت: السخاء عندي أن تعبدوا اللّه متنعّمين متلذّذين بطاعته غير كارهين لا تريدون على ذلك أجرا حتّى يكون موليكم يفعل بكم ما يشاء ألا تستحيون من اللّه أن يطّلع على قلوبكم فيعلم منها أنّكم تريدون شيئا بشيء، إنّ هذا في الدّنيا لقبيح، و قالت بعض المتعبّدات:
أ يحسب أحدكم أنّ السخاء في الدّرهم و الدّينار فقطّ؟ قيل: ففيم؟ قالت: السخاء عندي في المهج، و قال المحاسبيّ: السخاء في الدّين أن تسخو بنفسك تتلفها للَّه عزّ و جلّ و يسخو قلبك ببذل مهجتك و إهراق دمك للَّه عزّ و جلّ بسماحة من غير إكراه و لا تريد بذلك ثوابا عاجلا و لا آجلا، و إن كنت غير مستغن عن الثواب و لكن يغلب على ظنّك حسن كمال السخاء بترك الاختيار على اللّه حتّى يكون مولاك هو الّذي يفعل بك ما لا تحسن أن تختاره لنفسك.
(بيان علاج البخل)
اعلم أنّ البخل سببه حبّ المال و لحبّ المال سببان:
أحدهما حبّ الشهوات الّتي لا وصول إليها إلّا بالمال مع طول الأمل، فإنّ الإنسان لو علم أنّه يموت بعد يوم ربما كان لا يبخل بماله إذ القدر الّذي يحتاج إليه في يوم أو في شهر أو في سنة قريب، و إن كان قصير الأمل و لكن كان له أولاد قام له الولد مقام طول الأمل فإنّه يقدّر بقاءهم كبقاء نفسه فيمسك لأجلهم، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الولد مبخلة مجبنة مجهلة» [١] فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر و قلّة الثقة بمجيء الرّزق قوي البخل لا محالة.
السبب الثاني أن يحبّ عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه لبقيّة عمره إذا اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته و تفضل آلاف و هو شيخ و لا ولد له و معه أموال كثيرة و لا تسمح نفسه بإخراج الزّكاة و لا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محبّا للدنانير عاشقا لها يلتذّ بوجودها في يده و بقدرته عليها فيكنزها تحت الأرض و هو يعلم أنّه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه و مع هذا فلا تسمح نفسه بأن يأكل منها
[١] أخرجه أبو يعلى من حديث أبي سعيد بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
المحجة البيضاء، جلد٦، ص: ٨٧
أو يتصدّق بحبّة واحدة، و هذا مرض للقلب عظيم عسير العلاج لا سيّما في كبر السنّ و هو مرض مزمن لا يرجى علاجه، و مثال صاحبه مثال رجل عشق شخصا فأحبّ رسوله لنفسه ثمّ نسي محبوبه و اشتغل برسوله فإنّ الدّنانير رسول يبلغ إلى الحاجات فصارت محبوبة لذلك لأنّ الموصل إلى اللّذيذ لذيذ، ثمّ قد تنسى الحاجات و يصير الذّهب عنده كأنّه محبوب في نفسه و هو غاية الضلال بل من رأى بينه و بين الحجر فرقا فهو جاهل إلّا من حيث قضاء حاجته به فالفاضل عن قدر حاجته و الحجر بمثابة واحدة فهذه أسباب حبّ المال، و إنّما علاج كلّ علّة بمضادّة سببها، فيعالج حبّ الشهوات بالقناعة باليسير و بالصبر، و يعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت و النظر في موت الأقران و طول تعبهم في جمع المال و ضياعه بعدهم، و يعالج التفات القلب إلى الولد بأن الّذي خلقه خلقه معه رزقه، و كم من ولد لم يرث من أبيه مالا و حاله أحسن ممّن ورث، و بأن يعلم أنّه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير و ينقلب هو إلى شرّ و أنّ ولده إن كان تقيّا صالحا فيكفيه اللّه، و إن كان فاسقا فيستعين بماله على المعصية و ترجع مظلمته إليه و يعالج أيضا قلبه بكثرة التأمّل في الأخبار الواردة في ذمّ البخل و مدح السخاء و ما توعّد اللّه تعالى به على البخل من العقاب العظيم، و من الأدوية النافعة كثرة التأمّل في أحوال البخلاء و نفرة الطبع عنهم و استقباحه لهم فإنّه ما من بخيل إلّا و يستقبح البخل من غيره و يستثقل كلّ بخيل من أصحابه فيعلم أنّه مستثقل و مستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه، و يعالج أيضا قلبه بأن يتفكّر في مقاصد المال و أنّه لما ذا خلق، فلا يحفظ من المال إلّا بقدر حاجته إليه و الباقي يدّخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل ثواب بذله لنفسه، فهذه أدوية من جهة المعرفة و العلم، فإذا عرف بنور البصيرة أنّ البذل خير له من الإمساك في الدّنيا و الآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلا فإن تحرّكت الدّاعية فينبغي أن يجيب الخاطر الأوّل و لا يتوقّف لأنّ الشيطان يعده الفقر و يخوّفه و يصدّه عنه.
كان أبو الحسن البوشنجي ذات يوم في الخلاء فدعا تلميذا له و قال: أنزع عنّي القميص و ادفعه إلى فلان، فقال: هلّا صبرت حتّى تخرج؟ قال: قد خطر
المحجة