المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧١
و هذه مواضع يجتمع فيها الرّياء و الكبر فما يختصّ بالملإ فهو الرّياء و ما يكون في الخلوة فهو الكبر، فليعرف فإنّ من لا يعرف الشرّ لا يتّقيه و من لا يدرك المرض لا يداويه.
(بيان غاية الرّياضة في خلق التواضع)
اعلم أنّ هذا الخلق كسائر الأخلاق له طرفان و واسطة فطرفه الّذي يميل إلى الزيادة يسمّى تكبّرا و طرفه الّذي يميل إلى النقصان يسمّى تخاسسا و مذلّة و الوسط يسمّى تواضعا و المحمود أن يتواضع في غير مذلّة و من غير تخاسس، فإنّ كلا طرفي قصد الأمور ذميم و أحبّ الأمور إلى اللَّه تعالى أوساطها فمن يتقدّم على أمثاله فهو متكبّر و من يتأخّر عنهم فهو متواضع أي أنّه وضع شيئا من قدره الّذي يستحقّه و العالم إذا دخل عليه إسكاف فتنحّى له عن مجلسه و أجلسه فيه ثمّ تقدّم و سوّى له نعله و غدا إلى الباب خلفه فقد تخاسس و تذلّل و هذا أيضا غير محمود بل المحمود عند اللَّه العدل و هو أن يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأمثاله و لمن يقرب منه درجته، فأمّا تواضعه للسوقي فبالقيام و البشر في الكلام و الرّفق في السّؤال و إجابة دعوته و السعي في حاجته و أمثال ذلك، و أن لا يرى نفسه خيرا منه بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره فلا يحتقره و لا يستصغره و هو لا يعرف خاتمة أمره و خاتمته، فإذن سبيله في اكتساب التواضع أن يتواضع للأقران و لمن دونهم حتّى يخفّ عليه التواضع المحمود في محاسن العادات ليزول به الكبر عنه، فإن خفّ عليه ذلك فقد حصل له خلق التواضع و إن كان يثقل عليه و هو يفعل ذلك فهو متكلّف لا متواضع، بل الخلق ما يصدر عنه الفعل بسهولة من غير ثقل و من غير رويّة، فإن خفّ ذلك و صار بحيث يثقل عليه رعاية قدره حتّى أحبّ التملّق و التخاسس فقد خرج إلى طرف النقصان فليرفع نفسه إذ ليس للمؤمن أن يذلّ نفسه إلى أن يعود إلى الوسط الّذي هو الصراط المستقيم و ذلك غامض في هذا الخلق و سائر الأخلاق و الميل عن الوسط إلى طرف النقصان و هو التملّق أهون من الميل إلى طرف الزّيادة بالتكبّر كما أنّ الميل إلى طرف التبذير في المال أحمد عند
المحجة