المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٦
الأخبار بما يشهد لذلك و إذا كان هذا الأمر غائبا عنه لم يجز له أن يحتقر عالما بل يجب عليه أن يتواضع له.
فإن قلت: فإن صحّ هذا فينبغي أن يكون العالم يرى نفسه فوق العابد بقول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «فضل العالم على العابد كفضلي علي أدنى رجل من أصحابي»؟
فاعلم أنّ ذلك ممكن لو علم العالم عاقبة أمره، و خاتمة الأمر مشكوك فيها فيحتمل أن يموت بحيث يكون حاله عند اللَّه أشدّ من حال الجاهل الفاسق لذنب واحد كان يحسبه هيّنا و هو عند اللَّه عظيم و قد مقته به و إذا كان هذا ممكنا كان على نفسه خائفا فإذا كلّ واحد من العالم و العابد خائف على نفسه و قد كلّف أمر نفسه لا أمر غيره، فينبغي أن يكون الغالب عليه في حقّ نفسه الخوف و في حقّ غيره الرّجاء و ذلك يمنعه من التكبّر بكلّ حال، فهذا حال العابد مع العالم فأمّا مع غير العالم فهم منقسمون في حقّه إلى مستورين و إلى مكشوفين فينبغي أن لا يتكبّر على المستور فلعلّه أقلّ منه ذنبا و أكثر منه عبادة و أشدّ منه حبّا للَّه. و أمّا المكشوف حاله إن لم يظهر لك من الذّنوب إلّا ما تزيد عليه ذنوبك في طول عمرك فلا ينبغي أن تتكبّر عليه و لا يمكن أن تقول هو أكثر منّي ذنبا لأنّ عدد ذنوبك و ذنوب غيرك في طول العمر لا تقدر على إحصائها حتّى تعلم الكثرة من القلّة، نعم يمكن أن يعلم أنّ ذنوبه أشدّ كما لو رأيت منه القتل و الشرب و الزنا و مع ذلك فلا ينبغي أن تتكبّر عليه، إذ ذنوب القلوب من الكبر و الحسد و الرّياء و الغلّ و اعتقاد الباطل و الوسوسة في صفات اللَّه و تخيّل الخطأ فيه كلّ ذلك شديد عند اللَّه، فربما جرى عليك في باطنك من خفايا الذّنوب ما صرت به عند اللَّه ممقوتا، و قد جرى للفاسق الظاهر الفسق من طاعات القلوب من حبّ اللَّه و إخلاص و خوف و تعظيم ما أنت خال عنه و قد كفّر بذلك سيئاته فينكشف الغطاء يوم القيامة فتراه فوق نفسك بدرجات، فهذا ممكن و الإمكان البعيد فيما عليك ينبغي أن يكون قريبا عندك، و إن كنت مشفقا على نفسك فلا تتفكّر فيما هو ممكن لغيرك بل فيما هو مخوف في حقّك فإنّه لا تزر وازرة وزر أخرى و عذاب غيرك لا يخفّف شيئا من عذابك فإذا تفكّرت في هذا الخطر كان عندك شغل شاغل عن
المحجة