المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧
إلى أواخرها، و تداعت بهم إلى مهاوي لم يمكنهم الرقيّ منها، فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب و الأشغال و عرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل و حرفة و عمل إلّا و هو عالم بمقصوده و عالم بحظّه و نصيبه منه، و إنّ غاية مقصوده تعهّد بدنه بالقوت و الكسوة حتّى لا يهلك و ذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال عنه و فرغ القلب و غلب عليه ذكر الآخرة و انصرفت الهمّة إلى الاستعداد له و إن تعدّى به قدر الضّرورة كثرت الأشغال و تداعى البعض إلى البعض و تسلسل إلى غير نهاية فتشعّب به الهموم، و من تشعّبت به الهموم في أودية الدّنيا فلا يبال اللّه في أيّ واد أهلكه، فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدّنيا.
و تنبّه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدّنيا فحسدهم الشيطان فلم يتركهم و أضلّهم في الأغراض أيضا حتّى انقسموا إلى طوائف فظنّت طائفة أنّ الدّنيا دار بلاء و محنة و أنّ الآخرة دار سعادة لكلّ من وصل إليها سواء تعبّد في الدّنيا أو لم يتعبّد، فرأوا أنّ الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدّنيا و إليه ذهب طوائف من عبّاد الهند فهم يتهجّمون على النار و يقتلون أنفسهم بالإحراق و يظنّون أنّ ذلك خلاص منهم من محن الدّنيا، و ظنّت طائفة أخرى أنّ القتل لا يخلّص بل لا بدّ أوّلا من إماتة الصفات البشريّة و قلعها عن النفس بالكلّية و أنّ السّعادة في قطع الشهوة و الغضب، ثمّ أقبلوا على المجاهدة فشدّدوا على أنفسهم حتّى هلك بعضهم بشدّة الرّياضة، و بعضهم فسد عقله و جنّ، و بعضهم مرض و انسدّت عليه طرق العبادة، و بعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلّية فظنّ أنّ ما كلّفه الشرع محال و أنّ الشرع تلبيس لا أصل له فوقع في الإلحاد و الزندقة، و ظهر لبعضهم أنّ هذا التعب كلّه للَّه و أنّ اللّه مستغن عن عبادة العباد لا ينقصه عصيان عاص و لا تزيده عبادة عابد، فعادوا إلى الشّهوات و سلكوا مسلك الإباحة فطووا بساط الشرع و الأحكام و زعموا أنّ ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أنّ اللّه مستغن عن عبادة العباد، و ظنّ طائفة أخرى أنّ المقصود من العبادات المجاهدة حتّى يصل العبد بها إلى معرفة اللّه فإذا حصلت المعرفة فقد وصل و بعد الوصال يستغني عن الوسيلة و الحيلة،
المحجة