المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩
و اقتصروا عليها لم يستغرقهم أشغال الدّنيا فانّما استغرقتهم لجهلهم بالدّنيا و حكمتها و حظوظهم منها و لكنّهم جهلوا و غفلوا و تتابعت أشغال الدّنيا و اتّصلت بعضها و تداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الأشغال و نسوا مقصودها و نحن نذكر تفاصيل أشغال الدّنيا و كيفية حدوث الحاجة إليها و كيف غلط الناس في مقاصدها حتّى يتّضح لك أنّ أشغال الدّنيا كيف صرفت الخلق عن اللّه و كيف أنستهم عاقبة أمورهم.
فنقول: الأشغال الدّنيويّة هي الحرف و الصناعات و الأعمال الّتي ترى الخلق مكبّين عليها، و سبب كثرة الأشغال هو أنّ الإنسان مضطرّ إلى ثلاث القوت و المسكن و الملبس، القوت للغذاء و البقاء، و الملبس لرفع الحرّ و البرد، و المسكن لذلك و لدفع أسباب الهلاك عن الأهل و المال و لم يخلق اللّه القوت و المسكن و الملبس مصلحا بحيث يستغني عن صنعة الإنسان فيه، نعم خلق اللّه ذلك للبهائم فإنّ النبات يغذي الحيوان من غير طبخ، و الحرّ و البرد لا يؤثّر في أبدانها فيستغني عن البناء و يقنع بالصحراء، و لباسها شعورها و جلودها فتستغني عن اللّباس، و الإنسان ليس كذلك، فحدثت الحاجة لذلك إلى خمس صناعات هي أصول الصّناعات و أوائل الأشغال الدّنيويّة و هي الفلاحة و الرّعاية و الاقتناص و الحياكة و البناء، أمّا البناء فللمسكن و الحياكة و ما يكتنفها من الغزل، و الخياطة فللملبس، و الفلاحة فللمطعم، و الرّعاية للمواشي و الخيل و هي أيضا للمطعم و المركب، و الاقتناص يعنى به تحصيل ما خلقه اللّه من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب، فالفلّاح يحصّل النباتات، و الرّاعي يحفظ الحيوانات و يستنتجها، و المقتنص يحصّل ما نبت و نتج بنفسه من غير صنعة آدمي و كذلك يأخذ من معادن الأرض ما خلق فيها من غير صنعة آدمي و نعني بالاقتناص ذلك و يدخل تحته صناعات و أشغال عدّة ثمّ هذه الصناعات تفتقر إلى أدوات و آلات كالحياكة و الفلاحة و البناء و الاقتناص، و الآلات إنّما تؤخذ إمّا من النبات و هو الأخشاب أو من المعادن كالحديد و الرّصاص و غيرهما أو من جلود الحيوانات، فحدثت الحاجة إلى ثلاثة أنواع أخر من الصناعات النجارة و الحدادة و الخرز و هؤلاء هم عمّال الآلات و نعني بالنجّار كلّ عامل على خشب كيفما كان، و بالحدّاد كلّ من عمل على جواهر المعادن
المحجة