المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٠
إلى بيته و هو يكرّرها و يقرؤها و يعلّمها المرضى و لم يشتغل بشربها و استعمالها، أ فترى أنّ ذلك يغني عنه من مرضه شيئا؟ هيهات هيهات لو كتب منه ألف نسخة و علّمه ألف مريض حتّى شفى جميعهم و كرّره كلّ ليلة ألف مرّة لم يغنه ذلك من مرضه شيئا إلّا أن يزن الذّهب و يشتري الدّواء و يخلطه كما تعلّم و يشربه و يصبر على مرارته و يكون شربه في وقته و بعد تقديم الاحتماء و جميع شروطه، و إذا فعل جميع ذلك فهو على خطر من شفائه فكيف إذا لم يشربه أصلا، فمهما ظنّ أنّ ذلك يكفيه و يشفيه فقد ظهر غروره، و هكذا الفقيه الّذي أحكم علم الطاعات و لم يعملها، و أحكم علم المعاصي و لم يجتنبها، و أحكم علم الأخلاق المذمومة و لم يزكّ نفسه منها، و أحكم علم الأخلاق المحمودة و لم يتّصف بها فهو مغرور إذ قال اللَّه تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [١] و لم يقل قد أفلح من تعلّم كيفية تزكيتها و كتب علمها و علّمها الناس، و عند هذا يقول له الشيطان: لا يغرّنك هذا المثال فإنّ العلم بالدّواء لا يزيل المرض و إنّما مطلبك القرب من اللَّه تعالى و ثوابه و العلم يجلب الثواب و يتلو عليه الأخبار الواردة في فضل العلم، فإن كان المسكين معتوها مغرورا وافق ذلك مراده و هواه فاطمأنّ إليه و أهمل العمل و إن كان كيّسا فيقول للشيطان:
أ تذكّرني فضائل العلم و تنسيني ما ورد في العالم الفاجر الّذي لا يعمل بعلمه كقوله تعالى: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ» [٢] و كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [٣] فأيّ خزي أعظم من التمثيل بالكلب و الحمار؟! و قد قال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «من ازداد علما و لم يزدد هدى لم يزدد من اللَّه تعالى إلّا بعدا» [٤].
و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «يلقى العالم في النّار فتندلق أقتابه فيدور بها في النّار كما يدور الحمار في الرّحى» [٥].
[١] الشمس: ١٠.
[٢] الأعراف: ١٧٦.
[٣] الجمعة: ٥.
[٤] تقدم في المجلد الأول أبواب العلم.
[٥] تقدم آنفا عن أحمد رواه في مسنده.
المحجة