المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٤
في هذا و في هذا حتّى لا تحبّ أن يفوتها شيء، و يكون لك إلى هذا حاجة و إلى هذا حاجة، فإذا قضاها لك خزم أنفك و قادك حيث شاء، و استمكن منك و خضعت له، فمن حبّك للدّنيا سلّمت عليه إذا مررت به وعدته إذا مرض، لم تسلّم عليه للَّه تعالى و لم تعده للَّه فلو لم تكن لك إليه حاجة كان خيرا لك، ثمّ قال: هذا خير لك من مائة حديث عن فلان و فلان.
و قال بعض الحكماء: من عجيب أمر الإنسان أنّه لو نودي بدوام البقاء في أيّام الدّنيا لم يكن في قوى خلقته من الحرص على الجمع أكثر ممّا قد استعمله مع قصر مدّة التمتّع و توقّع الزّوال.
و قال عبد الواحد بن زيد: مررت براهب فقلت له: من أين تأكل؟ فقال:
من بيدر اللّطيف الخبير الّذي خلق الرحى يأتيها بالطحين، و أومأ بيده إلى رحى أضراسه.
(بيان علاج الحرص و الطمع) (و الدواء الذي يكتسب به صفة القناعة)
اعلم أنّ هذا الدّواء مركّب من ثلاثة أركان الصبر و العلم و العمل و مجموع ذلك خمسة أمور:
الأوّل و هو العمل:
الاقتصاد في المعيشة و الرّفق في الإنفاق فمن أراد عزّ القناعة فينبغي أن يسدّ على نفسه أبواب الخرج ما أمكنه و يردّ نفسه إلى ما لا بدّ له فإنّ من كثر خرجه و اتّسع إنفاقه لم تمكنه القناعة بل إن كان وحده فينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن، و يقنع بأيّ طعام كان، و يقلّل من الادام ما أمكنه، و يوطّن نفسه عليه و إن كان له عيال فيردّ كلّ واحد منهم إلى هذا القدر فإنّ هذا القدر يتيسّر بأدنى جهد و يمكن معه الإجمال في الطلب، فالاقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة و نعني به الرّفق في الإنفاق و ترك الخرق فيه.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه يحبّ الرّفق في الأمر كلّه» [١].
[١] متفق عليه و قد تقدم.
المحجة