المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٢
(بيان الرّخصة في قصد إظهار الطّاعات)
اعلم أنّ في الإسرار للأعمال فائدة الإخلاص و النجاة من الرّياء و في الإظهار فائدة الاقتداء و ترغيب الناس في الخير و لكنّ فيه آفة الرّياء، قال بعض السلف:
قد علم المسلمون أنّ السرّ أحرز العملين و لكنّ في الإظهار أيضا فائدة و لذلك أثنى اللّه تعالى على السرّ و العلانية فقال: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» [١] و الإظهار قسمان أحدهما في نفس العمل و الآخر في التحدّث بما عمل.
القسم الأوّل إظهار نفس العمل
كالصدقة في الملإ لترغيب الناس فيها كما روي عن الأنصاريّ الّذي جاء بالصرّة فتتابع الناس بالعطيّة لمّا رأوه، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها و أجر من اتّبعه» [٢] ثمّ تجري سائر الأعمال هذا المجرى من الصلاة و الصيام و الحجّ و الغزو و غيره، و لكنّ الاقتداء على الطباع في الصدقة أغلب، نعم الغازي إذا همّ بالخروج فاستعدّ و شدّ الرّحل قبل القوم تحريضا لهم على الحركة فذلك أفضل له لأنّ الغزو في أصله من أعمال العلانية لا يمكن إسراره فالمبادرة إليه ليس من الإعلان بل هو تحريض مجرّد، فكذلك الرّجل قد يرفع صوته في الصلاة باللّيل لينبّه جيرانه و أهله فيقتدى به فكلّ عمل لا يمكن إسراره كالحجّ و الجهاد و الجمعة فالأفضل المبادرة إليه و إظهار الرّغبة فيه للتحريض بشرط أن لا تكون فيه شوائب الرّياء، و أمّا ما يمكن إسراره كالصدقة و الصلاة فإن كان إظهار الصدقة يؤذي المتصدّق عليه و يرغّب الناس في الصدقة فالسرّ أفضل لأنّ الإيذاء حرام، فإن لم يكن فيه إيذاء فقد اختلف الناس في الأفضل فقال قوم: السرّ أفضل من العلانية و إن كان في العلانية قدوة، و قال قوم:
السرّ أفضل من علانية لا قدوة فيها، أمّا العلانية للقدوة فهي أفضل من السرّ، و يدلّ على ذلك أنّ اللّه تعالى أمر الأنبياء بإظهار العمل للاقتداء و خصّهم بمنصب النبوّة
[١] البقرة: ٢٧١.
[٢] أخرجه مسلم ج ٨ ص ٦١ من حديث جرير بن عبد اللّه.
المحجة